وقوله تعالى : ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية تأكيد للصفة البشرية التي اختار الله أن يكون عليها رسله إلى الناس، فهم من ناحية التكوين الخلقي بشر عاديون لا ملائكة، ولا أنصاف ملائكة، ولا صنف آخر من أصناف المخلوقات، قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي |الكهف : ١١٠| - قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا |الإسراء : ٩٣|، وهم من ناحية الانتخاب الخلقي والاصطفاء الإلهي للرسالة بشر لا كالبشر الله أعلم حيث يجعل رسالاته |الأنعام : ١٢٤|.
وتفيد الآية الكريمة في نفس الوقت أن الرسالة لا تستلزم رهبانية ولا انصرافا عن الحياة الإنسانية العادية، حياة الزوجية وإنجاب الذرية، خلافا لما ابتدعه المبتدعة في مختلف الأديان والملل، وادعوا أنه يقربهم إلى الله دون حياء ولا خجل.
وقوله تعالى : وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله رد على المشركين والمنافقين الذين خيل إليهم أن الرسالة عمل ذاتي يمكن للرسول أن يتصرف فيه كما يريد، بحيث كلما طلب إليه شيء من المعجزات وخوارق العادات، جاء به من عند نفسه، ترضية للطلبات وتحقيقا للرغبات، بينما الرسول في الحقيقة إنما هو مبلغ عن الله وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى |النجم : ٣، ٤| وإنما ينطق بالوحي عن إذن ربه، متى تلقى الوحي، وصدر إليه الإذن بالتبليغ.
والمراد بالآية في هذه الآية ما يشمل آيات الذكر الحكيم، وهي آيات معنوية، ويشمل آيات العذاب الأليم، وهي آيات مادية، فطالما استعجل المشركون نزول عذاب الله الذي أنذرهم به، وطالبوا الرسول بإنزاله أو استنزاله، لكن الأمر في الحقيقة أمر الإرادة الإلهية العليا، فهي التي تحدد لكل شيء أجله، وتأتي به في أجله المحتوم لكل أجل كتاب ، وقال أبو حيان : " قوله لكل أجل كتاب لفظ عام في الأشياء التي لها آجال، لأنه ليس منها شيء إلا وله أجل في بدئه وفي ختامه، وذلك الأجل مكتوب محصور، وثم أشياء كتبها الله تعالى أزلية كالجنة ونعيم أهلها لا أجل لها ".
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري