تفسير المفردات : والسلطان : التسلط. بمصرخكم : أي بمغيثكم، يقال استصرخني فأصرخته : أي استغاثني فأغثته.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه ما يلقاه الأشقياء في ذلك اليوم من العذاب، وذكر أن أعمالهم الطيبة التي كانت في الدنيا أحبطت فلم تغن عنهم شيئا – ذكر هنا محاورة بين الأتباع المستضعفين والرؤساء المتبوعين، وما يحدث في ذلك الوقت من الخجل لهم، ثم أردفها مناظرة وقعت بين الشيطان وأتباعه من الإنس. وبعد أن ذكر أحوال الأشقياء وبالغ في بيانها وتفصيلها شرح أحوال السعداء وما أعد لهم من الثواب العظيم والأجر الجزيل.
ولما ذكر سبحانه المناظرة التي ستكون بين الأتباع والرؤساء أردفها المناظرة التي ستكون بين الشيطان وأتباعه حينئذ فقال :
وقال الشيطان لما قضي الأمر أي وقال إبليس مخاطبا أتباعه من الإنس، بعد أن حكم الله بين عباده فأدخل المؤمنين فراديس الجنات، وأسكن الكافرين سحيق الدركات.
إن الله وعدكم وعد الحق أي إن الله وعدكم على ألسنة رسله بالبعث وجزاء كل عامل على عمله، إن خيرا فخير وإن شرا فشر، ووعده حق وخبره صدق.
ووعدتكم فأخلفتكم أي ووعدتكم أن لا جنة ولا نار، ولا حشر ولا حساب، ولئن كانا فنعم الشفيع لكم الأصنام والأوثان، فأخلفتكم موعدي إذ لم أقل إلا بهرجا من القول وباطلا منه، فاتبعتموني وتركتم وعد ربكم، وهو وليّكم ومالك أمركم.
ونحو الآية قوله : يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا [ النساء : ١٢٠ ].
وما كان لي عليكم من سلطان أي وما كان لي قوة وتسلط تجعلني ألجئكم إلى متابعتي على الكفر والمعاصي.
إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي أي ولكن بمجرد أن دعوتكم إلى الضال بوسوستي وتزييني، أسرعتم إلى إجابتي، واتبعتم شهوات النفوس، وأطعتم الهوى، وخضتم في مسالك الردى.
فلا تلوموني ولوموا أنفسكم لأنه ما كان مني إلا الدعاء وإلقاء الوسوسة، ولوموا أنفسكم، إذا استجبتم لي باختياركم الذي نشأ عن سوء استعدادكم بلا حجة مني ولا برهان، بل بتزييني وتسويلي، ولم تستجيبوا لربكم وقد دعاكم دعوة الحق المقرونة بالحجج والبينات.
ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي أي ما أنا بمغيثكم مما أنتم فيه من العذاب فأزيل صراخكم، وما أنتم بمغيثي مما أنا فيه من العذاب والنكال.
إني كفرت بما أشركتموني من قبل أي إني جحدت اليوم أن أكون شريكا لله فيما أشركتموني فيه من قبل هذا اليوم أي في الدنيا، وهذا كقوله : ويوم القيامة يكفرون بشرككم [ فاطر : ١٤ ].
ومعنى كفره بإشراكهم تبرؤه منه واستنكاره له، وهذا كقوله تعالى : وإنا برءاؤا منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم [ الممتحنة : ٤ ].
إن الظالمين لهم عذاب أليم أي قال إبليس ذلك، قطعا لأطماع الكفار من الإغاثة والنجاة من العذاب، وإنما حكى الله ذلك عنه ليكون تنبيها للسامعين، وحضّا لهم على النظر في عاقبة أمرهم، والاستعداد لذلك اليوم الذي يقول فيه الشيطان ما يقول، فيثوبوا إلى رشدهم ويرجعوا عن غيهم ويتذكروا هول ذلك الموقف ورهبته.
ولما جمع سبحانه فريقي السعداء والأشقياء في قوله : وبرزوا لله جميعا [ إبراهيم : ٢١ ] وبالغ في وصف حال الأشقياء من وجوه كثيرة – ذكر حال السعداء وما أعد لهم من نعيم مقيم في ذلك اليوم فقال :
تفسير المراغي
المراغي