لَمَّا قُضِىَ الأمر لما قطع الأمر وفرغ منه، وهو الحساب، وتصادر الفريقين ودخول أحدهما الجنة ودخول الآخر النار. وروي أنّ الشيطان يقوم عند ذلك خطيباً في الأشقياء من الجنّ والإنس فيقول ذلك إِنَّ الله وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحق وهو البعث والجزاء على الأعمال فوفى لكم بما وعدكم وَوَعَدتُّكُمْ خلاف ذلك فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مّن سلطان من تسلط وقهر فأقسركم على الكفر والمعاصي وألجئكم إليها إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ إلا دعائي إياكم إلى الضلالة بوسوستي وتزييني، وليس الدعاء من جنس السلطان، ولكنه كقولك : ما تحيتهم إلا الضرب. فَلاَ تَلُومُونِى وَلُومُواْ أَنفُسَكُمْ حيث اغتررتم بي وأطعتموني إذ دعوتكم، ولم تطيعوا ربكم إذ دعاكم، وهذا دليل على أنّ الإنسان هو الذي يختار الشقاوة أو السعادة ويحصلها لنفسه، وليس من الله إلا التمكين، ولا من الشيطان إلا التزيين. ولو كان الأمر كما تزعم المجبرة لقال : فلا تلوموني ولا أنفسكم، فإنّ الله قضى عليكم الكفر وأجبركم عليه. فإن قلت : قول الشيطان باطل لا يصح التعلق به. قلت : لو كان هذا القول منه باطلاً لبين الله بطلانه وأظهر إنكاره، على أنه لا طائل له في النطق بالباطل في ذلك المقام : ألا ترى إلى قوله : إِنَّ الله وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحق وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ كيف أتى فيه بالحق والصدق، وفي قوله : وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مّن سلطان وهو مثل قول الله تعالى : إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سلطان إِلاَّ مَنِ اتبعك مِنَ الغاوين [ الحجر : ٤٢ ]، مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِىَّ لا ينجي بعضنا بعضاً من عذاب الله ولا يغيثه. والإصراخ : الإغاثة. وقرىء :«بمصرخي » بكسر الياء وهي ضعيفة، واستشهدوا لها ببيت مجهول :
| قَالَ لَهَا هَلْ لَكِ يَاتَا في | قَالَتْ لَهُ مَا أنْتَ بِالمَرْضِي |
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب