ﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯ

ويقول سبحانه من بعد ذلك :
وإذ قال إبراهيم ربّ اجعل هذا البلد١ آمنا واجنُبني وبَنيّ أن نعبد الأصنام ٣٥
وحين يقول سبحانه ( إذا ) أي ( اذكر ) ويقول من بعد ذلك على لسان إبراهيم ( ربّ ) ولم يقل ( يا الله ) ذلك أن إبراهيم كان يرفع دعاءه للخالق المربّي، لذلك قال ( ربي ) ولم يقل ( يا الله ) لأن عطاء الله تكليف، وأمام التكليف هناك تخيير في أن تفعل ولا تفعل، مثل قوله سبحانه :
وأقيموا الصلاة.. ٤٣ ( البقرة ).
أما عطاء الربوبية فهو ما يقيم حياة المصلين وغير المصلّين.
ولن تأت مسألة إبراهيم هنا قفزا، ولكنا نعلم أن القرآن قد نزل، وأول من سيسمعه هم السادة من قريش ؛ الذين تمتّعوا بالمهابة والسيادة على الجزيرة العربية، ولا يجرؤ أحد على التعرّض لقوافلها في رحلتي الشتاء والصيف، لليمن والشام، وهم قد أخذوا المهابة من البيت الحرام.
ولذلك تكلّم الحق سبحانه عن النعمة العامة لكل كائن موجود تنتظر أذنه نداء الإسلام، وبعد ذلك يتكلم الحق سبحانه عن النعم التي تخصم، لذلك قال :
رب اجعل هذا البلد آمنا.. ٣٥ ( إبراهيم ).
وقد وردت هذه الجملة في سورة البقرة بأسلوب آخر، وهو قول الحق سبحانه :
وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا.. ١٢٦
( البقرة ).
والفرق بين ( البلد ) و( بلدا ) يحتاج منا أن نشرحه، ف ( بلدا ) تعني أن المكان كان قَفْرا٢، ودعا إبراهيم أن يصبح هذا المكان بلدا آمنا أي : أن يجد من يقيمون فيه، يجدّدون حاجاتهم ومتطلباتهم، وتكون وسائل الرزق فيه مُيسّرة، ودعاؤه أيضا شمل طلب الأمن، أي : ألا يوجد به ما يهدّد طمأنينة الناس على يومهم العاديّ ووسائل رزقهم.
وأجاب الحق سبحانه دعاء إبراهيم فصار المكان بلدا ؛ وجعله سبحانه آمنا أمانا عاما، لأن الإنسان في أيّ بقعة من بقاع الأرض لا يتخذ مكانا يجلس فيه ويقيم ويتوطّن إلا إذا ضمن لنفسه أسباب الأمن من مقوّمات حياة ومن عدم تفزيعه تفزيعا قويا، وهذا الأمن مطلوب لكل إنسان في أيّ أرض.
وقد دعا إبراهيم عليه السلام هذا الدعاء وقت أن نزل هذا المكان، وكان واديا غير ذي زرع، ولا مقوّمات للحياة فيه، فكان دعاؤه هذا الذي جاء ذكره في سورة البقرة.
أما هنا فقد صار المكان بلدا، وكان الدعاء بالأمن لثاني مرة، هي دعوة لأمن خاص، ففي غير هذا المكان يمكن أن تُقطع شجرة، أو يصطاد صيد، ولكن في هذا المكان هناك خاص جدا، أمن للنبات ولكل شيء يوجد فيه، فحتى الحيوان لا يُصاد فيه، وحتى فاعل الجريمة لا يُمَس٣.
وهكذا اختلف الدعاء الأول بالأمن عن الدعاء الثاني، فالدعاء الأول : هو دعاء بالأمن العام، والدعاء الثاني : هو دعاء بالأمن الخاص، ذلك أن كل بلد يوجد قد يتحقق فيه الأمن العام، ولكن بلد البيت الحرام يتمتع بأمن يشمل كل الكائنات.
ويقول بعض من السطحيين ؛ ما دام الحق قد جعل البيت حرَما آمنا، فلماذا حدث ما حدث من سنوات من اعتداء على الناس في الحرم ؟
ونقول : وهل كان أمن الحرام أمرا ( كونيا )، أم تكليفا شرعيا ؟ إنه تكليف شرعي عُرضة أن يطاع، وعرضة أن يُعصى.
وقوله سبحانه :
ومن دخل كان آمنا.. ٩٧ ( آل عمران ).
يعني أن عليكم أيها المُتِّبعون لدين الله أن تؤمّنوا من يدخل الحرم أنهم في أمن وأمان، وهناك فارق بين الأمر التكليفي والأمر الكونيّ.
ويقول سبحانه على لسان إبراهيم :
واجنُبني وبَنيّ أن نعبد الأصنام ٣٥ ( إبراهيم ).
وهو قول يحمل التنبؤ بما حدث في البيت الحرام على يد عمرو ابن لُحيٍّ الذي أدخل عبادة الأصنام إلى الكعبة، وهو قول يحمل تنبؤا من إبراهيم عليه السلام.
ولقائل أن يسأل : وكيف يدعو إبراهيم بذلك، وهو النبي المعصوم ؟ كيف يطلب من الحق أن يُجنّبه عبادة الأصنام ؟
وأقول : وهل العصمة تمنع الإنسان أن يدعو ربه بدوام ما هو عليه ؟ إننا نتلقى على سبيل المثال الأمر التكليفي منه سبحانه :
يا أيها الذين آمنوا آمِنوا بالله ورسوله.. ١٣٦
( النساء ).
وهو أمر بالمداومة.
والحق سبحانه قد قال على لسان رسوله شعيب –عليه السلام- :
قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملّتكم بعد إذ نجّانا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا.. ٨٩ ( الأعراف ).
وفي هذا القول ضراعة إلى المُنعم علينا بنعمة الإيمان، وفي هذا القول الكريم أيضا لطلاقة قدرة الحق سبحانه.
ونلحظ أن الحق سبحانه قد قال هنا :
واجنُبني وبَنيّ أن نعبد الأصنام ٣٥ ( إبراهيم ).
والصنم غير الوثن٤، فالمُشكّل بشكل إنسان هو الصنم، أمتا قطعة الحجر فقط والتي خصّها بعض من أهل الجاهلية بالعبادة فهو الوثن.
وهنا من أراد أن يخرج بنا من هذا المأزق، فقال : إن الكفر نوعان. شرك جلي، وشرك خفيّ، والشرك الجليّ أن يعبد الإنسان أي كائن غير الله، والشرك الخفيّ أن يقدّس الإنسان الوسائط بينه وبين الله، ويعطيها فوق ما تستحق، وينسب لها بعضا من قدرات الله.
ودعاء إبراهيم عليه السلام أن يُجنّبه وبنيه أن يعبدوا الأصنام يقتضي منا أن نفهم معنى كلمة أبناء ؛ ذلك أن إبراهيم قصد بالدعاء بنيه الذين يصِلون إلى مرتبة الرسالة والنبوة مثله، ذلك أننا نعلم أن بعضا من بنيه قد عبدوا الأصنام والأوثان.
ومعنى كلمة ( أبناء ) أوضحه سبحانه في مواطن أخرى. ونبدأ من قوله :
وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات٥ فأتمّهُنّ.. ١٢٤
( البقرة ).
أي : بعد أن أخبر الله إبراهيم، وكلّفه بالمهام التي كلفه الله سبحانه وتعالى بها على وجه التمام، أمّنه الحق على أن يكون إماما، فقال سبحانه :
إني جاعلك للناس إماما.. ١٢٤ ( البقرة ).
أي : أن حيثية الإمامة هي أداء إبراهيم عليه السلام لكل مهمة بتمامها وبدقة وأمانة، وإذا كان هو دستور الله في الخَلق ؛ فلا بد لنا من أن نتخلّق بأخلاق الله. وعلينا ألا نختار أي إنسان لأية مهمة ليكون إمامها، إلا إن كان كُفءً لها ويُحسن القيام بها.
ولنتذكر قوله صلى الله عليه وسلم :
" إذا ضُيّعت الأمانة فانتظر الساعة ). قال السائل له عن موعد قيام الساعة : وكيف إضاعتها ؟ قال :( إذا وُسّد٦ الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة )٧.
ذلك أن إسناد أيّ أمر لغير أهله هو إفساد في الوجود، لأن الأصل في إسناد أيّ أمر لأي إنسان أن يكون بهدف أن يقوم بالأمر كما يجب، فإذا كان الاختيار سيئا ؛ فسيكون هذا الإنسان أُسوة في السوء، وتنتقل منه عدوى عدم الإتقان إلى غيره، ويتفشّى السوء في المجتمع، أما إذا تولى الأمر من هو أهل له فالموقف يختلف تماما، فوضع الإنسان في مكانه اللائق، تعتدل به موازين العدل، وفي اعتدال الميزان استقرار للزمان والمكان والإنسان.
والمَثل على ذلك : أن الأولاد الذين تربّوا في السعودية، ورأوا أن يد السارق تُقطع، لم نجد منهم من يسرق، لأنهم تربّوا على أن السارق تُقطع يده، وفهموا أن الحق سبحانه لحظة أن يضع عقوبة قاسية، فليس هذا إذن بأن تقع الجريمة، بل ألا تقع الجريمة.
وحين يتساءل من يدّعون التحضّر : كيف يقول القرآن :
لا إكراه في الدين.. ٢٥٦ ( البقرة ).
وحين تجدون من يخرج عن الدين تقبضون عليه، وينادي البعض بإعدامه ؟
ولهؤلاء أقول : وهل هذا الأمر يُحسب على الإسلام أم لصالح الإسلام.
إنه لصالح الإسلام، ذلك أن مِثْل هذا الحرص على كرامة الدين يُهيّب الناس أن يدخلوا الدين إلا بعد الإقناع المؤدّى لليقين، واليقين هو الوصول إلى الدين الحق مصحوبا بدليل.
يقول الحق سبحانه :
سنُريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق.. ٥٣ ( فصلت ).
بهذا نعلم أن دخول الإسلام سيُكلّفه حياته لو أراد أن يخرج منه، لأنه خرج من اليقين الذي دخله بالدليل.
وحين دعا إبراهيم –عليه السلام- ربه :
رب اجعل هذا البلد آمنا واجنُبني وبَنيّ أن نعبد الأصنام ٣٥ ( إبراهيم ).
كان قد نجح في اختبار الله له، ونجح في أداء ما أُسند إليه تماما ؛ وشاء له الحق سبحانه أن يكون إماما، واستشرف إبراهيم عليه السلام أن تكون الإمامة في ذريته ؛ فقال :
ومن ذُريتي.. ١٢٤ ( البقرة ).
فجاءه الجواب من الحق سبحانه :
لا ينال عهدي الظالمين ١٢٤ ( البقرة ).
وهكذا أوضح الحق سبحانه أن بُنوّة الأنبياء ليست بنوة لحم ودم ؛ بل بُنوّة إتباع واقتداء، وكلنا نعلم أن الحق سبحانه قد قال لنوح عن ابنه٨ :
فلا تسألن ما ليس لك به علم.. ٤٦ ( هود ).
ونعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال عن سلمان الذي كان فارسيا :
( سلمان منا آل البيت )٩.
وفي هذا تأكيد على أن بُنوّة الأنبياء هي بُنوة اتباع واقتداء.

١ المقصود بالبلد هنا: مكة. [تفسير القرطبي ٥/٣٧٠٦]..
٢ القفر والقفرة: الخلاء من الأرض. وقد أقفرت الأرض: خلت من الكلأ والناس. [لسان العرب - مادة: قفر]..
٣ عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: (إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي ولم يحل لي إلا ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يُعضد شوكه ولا ينفر صيده ولا يلتقط لقطته إلا من عرّفها ولا يُختلى خلاها) فقال العباس: يا رسول الله إلا الإذخر فإنه لقينهم ولبيوتهم فقال: (إلا الإذخر). أخرجه مسلم في صحيحه (١٣٥٣)..
٤ قال ابن الأثير: الفرق بين الوثن والصنم أن الوثن كل ما له جثة معمولة من جواهر الأرض أو من الخشب والحجارة كصورة الآدمي تُعمل وتُنصب فتعبد، والصنم الصورة بلا جثة. ومنهم من لم يفرق بينهما وأطلقهما على المعنيين [لسان العرب - مادة: وثن]..
٥ الكلمات: جمع كلمة، وهي هنا أحكام الدين وتكاليفه. [القاموس القويم ٢/١٧٣] وقال ابن كثير في تفسيره (١/١٦٥): (الكلمات: الشرائع والأوامر والنواهي)..
٦ وُسّد: أسند، وأصله من الوسادة. قال ابن منظور في اللسان (مادة: وسد): (يعني إذا سُوّد وشُرّف غير المستحق للسيادة والشرف)..
٧ أخرجه البخاري في صحيحه (٥٩، ٦٤٩٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه..
٨ قال ابن كثير في تفسيره (٢/٤٤٦): (هذا هو الابن الرابع، واسمه يام وكان كافرا) قال تعالى: ونادى نوح ابنه وكان في معزِل يا بُنيّ اركب معنا ولا تكن من الكافرين ٤٢ قال سآوي إلى جبل يعصمُني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم بينهما الموج فكان من المُغرقين ٤٦ (هود). ثم سأل نوح ربه سؤال استعلام وكشف عن حال ولده الذي غرق فقال: رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين ٤٥ قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعِظك أن تكون من الجاهلين ٤٦ (هود)..
٩ عن عمرو بن عوف المزنى قال: خط رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق عام الأحزاب من أجم السّمْر طرف بني حارثة حين بلغ المداد، ثم قطع أربعين ذراعا بين كل عشرة، فاختلف المهاجرون والأنصار في سلمان الفارسي، وكان رجلا قويا، فقالت الأنصار: سلمان منا. وقالت المهاجرون: سلمان منا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سلمان منا أهل البيت) أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٣/٤١٨) والحاكم في مستدركه (٣/٥٩٨) وضعّف الذهبي إسناده من أجل كثير بن عبد الله..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير