ويستكمل الحق سبحانه دعاء إبراهيم عليه السلام ؛ فنجد وعي خليل الرحمن بما تفعله الأصنام :
رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبِعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم ٣٦
ونعلم أن الأصنام بذاتها لا تُضل أحدا١ ؛ ذلك أنها لا تتكلم ولا تتحدث إلى أحد، ولكن القائمين عليها بدعوى أن لتلك الأصنام ألوهية، ولا تكليف يصدر منها، هم الذين يضلون الناس ويتركونهم كما يقول المثل العامي ( على حلّ شعورهم ).
ويرحب بهذا الضلال كل من يكره أن يتبع تعاليم الخالق الواحد الأحد.
ويتابع سبحانه ما جاء على لسان إبراهيم عليه السلام من بعد الدعاء :
فمن تبِعني فإنه منّي ومن عصاني فإنك غفور رحيم ٣٦ ( إبراهيم ).
وهذه تعقيبات في مسألة الغُفران والرحمة بعد العصيان ؛ فمرة يعقُبها الحق سبحانه :
العزيز الحكيم ١١٨ ( المائدة ).
ومرة يعقبها :
الغفور الرحيم ٥٣ ( الزمر ).
ذلك أن الجرائم تختلف درجاتها، فهناك جريمة الخيانة العُظمى أو جريمة القمّة، مثل من يدّعي أنه إله ؛ أو من يقول عنه أتباعه أنه إله دون أن يقول لهم هو ذلك.
وقد قال عيسى –عليه السلام- بسؤال الحق له :
أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله.. ١١٦ ( المائدة ).
فيأتي قول عيسى عليه السلام :
إن كنت قُلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علاّم الغيوب ١١٦ ( المائدة ).
ويتابع عيسى عليه السلام القول :
إن تُعذّبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ١١٨ ( المائدة ).
وهكذا تأتي العزّة والمغفرة بعد ذكر العذاب ؛ فهناك مواقف تُناسبها العزة والحكمة، ومواقف تناسبها المغفرة والرحمة، ولا أحد بقادر على أن يردّ لله أمر مغفرة أو رحمة، لأنه عزيز وحكيم.
وقوله الحق :
رب إنهن أضللن كثيرا من الناس.. ٣٦ ( إبراهيم ).
يعكس صفات مناسبة للمقدّمات الصدرية في الآية، وتؤكد لنا أن القرآن من حكيم خبير، وأن الله هو الذي أوحى إلى عبده القرآن :
سنُقرئك فلا تنسى ٦ ( الأعلى ).
فما الذي يجعله يقول في آية :
الغفور الرحيم ٥٣ ( الزمر ).
وفي آية أخرى :
العزيز الحكيم ١١٨ ( المائدة ).
مع أن السياق المعنويّ قد يُوحي من الظاهر بعكس ذلك ؟
وما الذي يجعله سبحانه يقول في آية بعد أن يُذكّرنا أن نِعم الله لا تُعدّ ولا تُحصى.
إن الإنسان لظلوم كفّار ٣٤ ( إبراهيم ).
ويقول في آية أخرى بعد أن يذكّرنا بنعم الله بنفس اللفظ :
إن الله لغفور رحيم ١٨ ( النحل ).
وكذلك قوله :
كلاّ إنها تذكرة ١١ فمن شاء ذَكره ١٢ ( عبس ).
ثم قوله في آية أخرى :
إن هذه تذكرة فمن شاء اتّخذ إلى ربه سبيلا ٢٩ ( الإنسان ).
كل ذلك يعطينا حكمة التنزيل، فإن كل آية لها حكمة، وتنزيلها يحمل أسرار المراد.
وكل ذلك يأتي تصديقا لقوله الحق :
سنُقرئك فلا تنسى ٦ ( الأعلى ).
لأن الحق سبحانه وتعالى شاء أن ينزل القرآن على رسوله، ويضمن أنه سيحفظه ؛ ولن ينسى موقع أو مكان آية من الآيات أبدا، ذلك أن الذي قال :
سنُقرئك فلا تنسى ٦ ( الأعلى ).
هو الحق الخالق القادر.
تفسير الشعراوي
الشعراوي