ﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢ

ولما كان علاج موسى عليه السلام في إخراج أمته من الظلمات إلى النور، قريبا من علاج نبينا –عليه الصلاة والسلام- ذكره بإثره، كما فعل في سورة طه، فقال :
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَآ أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذالِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ * وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُواءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِي ذالِكُمْ بَلاءٌ مِّن رَّبَّكُمْ عَظِيمٌ * وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ * وَقَالَ مُوسَى إِن تَكْفُرُواْ أَنتُمْ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ
قلت :( أنْ أخرج ) : إما تفسيرية لا محل لها، أي : وقلنا : أن أخرج ؛ لأن في الإرسال معنى القول، أو على إسقاط الخافض، أي : بأن أخرج، فإنَّ صيغ الأفعال سواء في الدلالة على المصدر، فيصح أن توصل بها " إن " الناصبة.
يقول الحق جل جلاله : ولقد أرسلنا موسى بآياتنا ؛ كاليد والعصا، وسائر معجزاته التسع، وقلنا له : أن أخرج قومَك ؛ بني إسرائيل، وفرعون وملأه ؛ من الظلمات إلى النور من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، أما فرعون وملؤه فظاهر، وأما بنو إسرائيل فقد كان فرعون فَتَنَ جُلّهم، وأضلهم مع القبط، فكانوا أشياعاً متفرقين، لم يبق لهم دين. فإن قلتَ : إذا كان موسى عليه السلام مبعوثاً إلى القبط، فِلمَ لَمْ يرجع إليهم بعد خروجه عنهم إلى الشام ؟ فالجواب : أنه لما بلَّغهم الرسالة قامت الحجة عليهم، فيجب عليهم أن يهاجروا إليه للدين.
ثم أمره بالتذكير فقال : وذكِّرْهُم بأيامِ الله : بوقائعه التي وقعت على الأمم الدارجة قبلهم، وأيام العرب : حروبها. أو ذكِّرهم بِنَعم الله وآلائه، وبنقمه وبلاءه ؛ فالأيام تطلق على المعنيين. إنَّ في ذلك لآياتٍ لكل صبارٍ في بلائه، شكور لنعمائه. وإنما خصه ؛ لأنه إذا سمع ما نزل على من قبله من البلاء، وأُفِيض عليهم من النعماء، اعتبر وتنبه لما يجب عليه من الصبر والشكر. وقيل : المراد لكل مؤمن، وإنما عبَّر بذلك ؛ تنبيهاً على أن الصبر والشكر عنوان الإيمان. قاله البيضاوي.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : ذكر الحق تعالى في هذه الآية مقامين من مقامات اليقين : الصبر والشكر، ومدح من تخلق بهما واستعملهما في محلهما، فيركب أيهما توجه إليه منهما، ويسير بهما إلى ربه. فالصبر عنوان الظفر، وأجره لا ينحصر، والشكر ضامن للزيادة، قال بعض العارفين :( لم يضمن الحق تعالى الزيادة في مقام من المقامات إلا الشكر )، فدل أنه أفضل المقامات وأحسن الطاعات، من حيث إنه متضمن للفرح بالله، وموجب لمحبة الله. ولا شك أن مقام الشكر أعلى من مقام الصبر ؛ لأن الشاكر يرى المنن في طي المحن، فيتلقى المهالك بوجه ضاحك ؛ لأنه لا يكون شاكراً حقيقة حتى يشكر في السراء والضراء، ولا يشكر في الضراء حتى يراها سراء، باعتبار ما يُواجَه به في حال الضراء من الفتوحات القلبية، والمواهب اللدنية، فتنقلب النقمة نعمة. بخلاف مقام الصبر، صاحبه يتجرع مرارة الصبر ؛ لأنه لم يترق إلى شهود المبلى في حال بلائه، ولو ترقى إلى شهوده لَلَذَّتْ لديه البلايا، كما قال صاحب العينية :

تَلَذُّ لِيَ الآلامُ ؛ إذْ كُنْتَ مُسْقِمِي وإنْ تَخْتَبِرْنِي فَهْي عِنْدي صَنَائِعُ
لكن هذه الأحوال تختلف على العبد باعتبار القوة والضعف ؛ فتارة تجده قوياً يتلقى المهالك بوجه ضاحك، وتارة تصادفه الأقدار ضعيفاً ؛ فلا يبقى معه إلا الصبر وتجرع مرارة البلاء، والعياذ بالله. قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه في كتاب القصد :" رأيت كأني مع النبيين والصديقين، فأردت الكون معهم، ثم قلت : اللهم اسلك بي سبيلهم مع العافية مما ابتليتهم، فإنهم أقوى ونحن أضعف منهم، فقيل لي : قل : وما قدّرت من شيء فأيَّدْنا كما أيدتهم.

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير