ﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢ

ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك :
ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرِج قومك من الظلمات إلى النور وذكِّرهم بأيّام الله إن في ذلك لآيات لكل صبّار شكور ٥ .
والآيات التي أرسلها الله مع –موسى عليه السلام- والمعجزات التي حدثت معه وبيّنها وأظهرها لقومه كثيرة، ورسولنا صلى الله عليه وسلم نزل ومعه معجزة واحدة وهي القرآن، أما بقية المعجزات الحسية التي حدثت مع رسول الله، فهي قد جاءت لتثبيت فؤاد المؤمنين برسالته، ولم يبق لها أثر من بعد ذلك إلا الذكرى النافعة التي يأتنس بها الصالحون من عباد الله.
وكثرة المعجزات التي جاءت مع موسى –عليه السلام- تبين أن القوم الذين أُرسل لهم قوم لَجج١ وجدل، وحين عدّد العلماء المعجزات التي جاءت مع موسى وجدها بعض من العلماء تسع آيات ؛ ووجدها غيرهم ثلاث عشرة معجزة، ووجدها بعض ثالث أربع عشرة.
وفي التحقيق لمعرفة تلك الآيات علينا أن نفرّق بين الآيات التي صدرت بالنسبة لفرعون، والآيات التي جاءت لبني إسرائيل. فالعصا التي انقلبت حيّة تسعى، واليد التي تُضيء هي لفرعون، وعدّد القرآن الآيات التي جاءت مع موسى لفرعون بتسع آيات، يقول الحق سبحانه :
في تسع آيات إلى فرعون وقومه٢.. ١٢ ( النمل ).
ولم يكن موسى يطلب من فرعون أن يؤمن، فهو لم يُرسَل لهدايته، ولكنه جاء ليُفحمه وليأخذ بني إسرائيل المُرسَل إليهم، والآيات هي : العصا ووضع اليد في الجيب لتخرج بيضاء، ونقص الأنفس والثمرات، والطوفان والجراد والقُمَّل والضفادع والدم، هذه هي الآيات التسع الخاصة بفرعون.
أما بقية الآيات التي جاء بها موسى –عليه السلام- لبني إسرائيل فهي كثيرة مثل :
وإذا نتقنا٣ الجبل فوقهم كأنه ظُلّة.. ١٧١ ( الأعراف ).
وأيضا :
وظلّلْنا عليكم الغمام.. ٥٧ ( البقرة ).
وكذلك قوله الحق :
وأنزلنا عليكم المنّ٤ والسّلوى٥.. ٥٧ ( البقرة ).
ولذلك أجمل الحق سبحانه الآيات التي جاءت مع موسى لقومه :
ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أَخرِج قومك من الظلمات إلى النور وذكّرهم بأيّام٦ الله.. ٥ ( إبراهيم ).
أي : أعِد إلى بُؤرة شعورهم ما كان في الحاشية، وأن يستدعوا من الذاكرة أيام الله، والمراد ما حدث في تلك الأيام، مثلما نقول نحن ( يوم بدر ) أو ( يوم ذي قار ) أو ( لسادس من أكتوبر ) أو ( العاشر من رمضان ).
وهنا في القول الكريم إما أن يكون التذكير بتلك الأيام الخاصة بالوقائع التي حدثت للأقوام السابقين عليهم كقوم نوح وعاد وثمود، ذلك أن الحق سبحانه قد أعلمهم بقصص الأقوام السابقة عليهم، وما حدث من كل قوم تجاه الرسول المُرسل إليه من الله.
أو أن يكون التذكير بالأيام التي أنعم الله فيها على بني إسرائيل بنعمه، أو ابتلاهم فيها بما يُؤلمهم، ذلك أن الحق سبحانه قال :
وذكّرهم بأيّام الله إن في ذلك لآيات لكل صبّار شكور ٥ ( إبراهيم ).
والصبّار هو من يكثر الصبر على الأحداث، وهي كلمة توحي بأن هناك أحداثا مؤلمة وقعت، وتحتاج إلى الصبر عليها، كما توحي كلمة
( شكور ) بحوادث منعمة تستحق الشكر.
وهكذا نجد أن المؤمن يحتاج إلى أمرين : صبر على ما يُؤلِم، وشكر على ما يُرضى، وحين تجتمع هاتين الصفتان في مؤمن، يكون مُكتمل الإيمان٧.
وقد قال الحق سبحانه : إن تلك الآيات هي أدلة توضّح الطريق أمام المؤمن، وتُعطي له العبرة، لأنه حين يعلم تاريخ الأقوام السابقة، ويجد أن من آمن منهم قد عانى من بعض الأحداث المؤلمة، لكنه رضا الله ونعمه، ومن كفر منهم قد تمتع قليلا، ثم تلقّى نقمة الله وغضبه.
هنا يُقبل المؤمن على تحمّل مشاقّ الإيمان، لأنه يثق في أن الحق سبحانه لا يُضيع أجر مؤمن، ولا بد لموكب الإيمان أن ينتصر، ولذلك فالمؤمن يصبر على المحن، ويشكر على النّعم.

١ اللّجة واللجلجة: اختلاط الأصوات. واللجة: الجلبة: الجلبة. وألجّ القوم إذا صاحوا. [لسان العرب - مادة: لجج]..
٢ المقصود بالقوم هنا هم قوم فرعون..
٣ نتقه: رفعه من مكانه وحرّكه وجذبه. [القاموس القويم: ٢/٢٥٢]..
٤ المن: ندى يشبه العسل كان الله ينزله على الأشجار غذاء طيبا لبني إسرائيل فجحدوا فضل الله عليهم في ذلك. [القاموس القويم: ٢/٢٤٠]..
٥ السلوى: السماني، وهو طائر صغير من رتبة الدجاج وجسمه ممتلئ وهو من الطيور المهاجرة من أوربا في الشتاء إلى البلاد الدافئة كمصر والسودان ويعود ما سلم منه في أوائل الصيف إلى مواطنه في أوروبا. [القاموس القويم: ١/٣٢٦]..
٦ أيام الله: نعم الله. وأيام الله: وقائع الله في الأمم السابقة. وقال الطبري: وعظهم بما سلف في الأيام الماضية لهم، أي: بما كان في أيام الله من النعمة والمحنة، وقد كانوا عبيدا مستذلين، واكتفى بذكر الأيام عنه لأنها كانت معلومة عندهم. [تفسير القرطبي ٥/٣٦٧٨]..
٧ عن صهيب الرومي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سرّاء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له) أخرجه مسلم في صحيحه (٢٩٩٩)..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير