ﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸ

ولذلك قال لهم موسى عليه السلام : وإذْ تأذَّنَ ربكُمْ أي : آذن، بمعنى أعلمَ، كتوعَّد وأوعد، غير أنَّ تأذن أبلغ من آذن ؛ لما في تفعّل من التكلف والمبالغة، أي أعلمكم، وقال : والله لئن شكرتم يا بني إسرائيل ما أنعمتُ به عليكم من الإنجاء وغيره، بالإيمان والعمل الصالح، وبالإقرار باللسان، وإفراد النعمة للمنعم بالجَنَان، لأَزيدَنَّكُمْ نعمة على نعمة. وهذا الخطاب، وإن كان لبني إسرائيل، يعم جميع الخلق، والزيادة إما من خير الدنيا، أو ثواب الآخرة. وشكر الخواص يكون على السراء والضراء ؛ فتكون الزيادة في الضراء، إما في ثواب أو في التقريب. ثم ذكر ضده فقال : ولئن كفرتم ما أنعمتُ به عليكم، وقابلتموه بالكفر والعصيان، إنَّ عذابي لشديد ؛ فأعذبكم به على كفركم. قال البيضاوي : ومن عادة أكرم الأكرمين أن يصرح بالوعد ويُعرض بالوعيد. ه. فصرح بوصول الزيادة إليهم، ولم يقل : أعذبكم عذاباً شديداً، بل عظم عذابه في الجملة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : ذكر الحق تعالى في هذه الآية مقامين من مقامات اليقين : الصبر والشكر، ومدح من تخلق بهما واستعملهما في محلهما، فيركب أيهما توجه إليه منهما، ويسير بهما إلى ربه. فالصبر عنوان الظفر، وأجره لا ينحصر، والشكر ضامن للزيادة، قال بعض العارفين :( لم يضمن الحق تعالى الزيادة في مقام من المقامات إلا الشكر )، فدل أنه أفضل المقامات وأحسن الطاعات، من حيث إنه متضمن للفرح بالله، وموجب لمحبة الله. ولا شك أن مقام الشكر أعلى من مقام الصبر ؛ لأن الشاكر يرى المنن في طي المحن، فيتلقى المهالك بوجه ضاحك ؛ لأنه لا يكون شاكراً حقيقة حتى يشكر في السراء والضراء، ولا يشكر في الضراء حتى يراها سراء، باعتبار ما يُواجَه به في حال الضراء من الفتوحات القلبية، والمواهب اللدنية، فتنقلب النقمة نعمة. بخلاف مقام الصبر، صاحبه يتجرع مرارة الصبر ؛ لأنه لم يترق إلى شهود المبلى في حال بلائه، ولو ترقى إلى شهوده لَلَذَّتْ لديه البلايا، كما قال صاحب العينية :

تَلَذُّ لِيَ الآلامُ ؛ إذْ كُنْتَ مُسْقِمِي وإنْ تَخْتَبِرْنِي فَهْي عِنْدي صَنَائِعُ
لكن هذه الأحوال تختلف على العبد باعتبار القوة والضعف ؛ فتارة تجده قوياً يتلقى المهالك بوجه ضاحك، وتارة تصادفه الأقدار ضعيفاً ؛ فلا يبقى معه إلا الصبر وتجرع مرارة البلاء، والعياذ بالله. قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه في كتاب القصد :" رأيت كأني مع النبيين والصديقين، فأردت الكون معهم، ثم قلت : اللهم اسلك بي سبيلهم مع العافية مما ابتليتهم، فإنهم أقوى ونحن أضعف منهم، فقيل لي : قل : وما قدّرت من شيء فأيَّدْنا كما أيدتهم.

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير