ﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭ

أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الذين مِن قَبْلِكُمْ يحتمل أن يكون هذا خطاباً من موسى لقومه، فيكون داخلاً تحت التذكير بأيام الله، ويحتمل أن يكون من كلام الله سبحانه ابتداء خطاباً لقوم موسى، وتذكيراً لهم بالقرون الأولى وأخبارهم، ومجيء رسل الله إليهم، ويحتمل أنه ابتداء خطاب من الله سبحانه لقوم محمد صلى الله عليه وسلم تحذيراً لهم عن مخالفته، النبأ : الخبر، والجمع الأنباء، ومنه قول الشاعر :

ألم يأتيك والأنباء تنمي بما لاقت لبون بني زياد
و قَوْمُ نُوحٍ بدل من الموصول، أو عطف بيان وَعَادٍ وَثَمُودَ والذين مِن بَعْدِهِمْ أي : من بعد هؤلاء المذكورين لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ الله أي : لا يحصي عددهم ويحيط بهم علماً إلاّ الله سبحانه، والموصول مبتدأ وخبره لا يعلمهم إلاّ الله، والجملة معترضة، أو يكون الموصول معطوفاً على ما قبله، ولا يعلمهم إلاّ الله اعتراض، وعدم العلم من غير الله إما أن يكون راجعاً إلى صفاتهم وأحوالهم وأخلاقهم ومدد أعمارهم، أي : هذه الأمور لا يعلمها إلاّ الله، ولا يعلمها غيره، أو يكون راجعاً إلى ذواتهم، أي : لا يعلم ذوات أولئك الذين من بعدهم إلاّ الله سبحانه. وجملة جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بالبينات مستأنفة لبيان النبأ المذكور في أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الذين مِن قَبْلِكُمْ أي : جاءتهم الرسل بالمعجزات الظاهرة وبالشرائع الواضحة فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ أي جعلوا أيدي أنفسهم في أفواههم ليعضوها غيظاً مما جاءت به الرسل كما في قوله تعالى : عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامل مِنَ الغيظ [ آل عمران : ١١٩ ]، لأن الرسل جاءتهم بتسفيه أحلامهم، وشتم أصنامهم. وقيل : إن المعنى أنهم أشاروا بأصابعهم إلى أفواههم لما جاءتهم الرسل بالبينات، أي : اسكتوا واتركوا هذا الذي جئتم به تكذيباً لهم وردّا لقولهم. وقيل : المعنى أنهم أشاروا إلى أنفسهم وما يصدر عنها من المقالة، وهي قولهم : إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ أي : لا جواب لكم سوى هذا الذي قلناه لكم بألسنتنا هذه. وقيل : وضعوا أيديهم على أفواههم استهزاء وتعجباً كما يفعله من غلبه الضحك من وضع يده على فيه. وقيل : المعنى ردّوا على الرسل قولهم، وكذبوهم بأفواههم، فالضمير الأوّل للرسل والثاني للكفار. وقيل : جعلوا أيديهم في أفواه الرسل ردّاً لقولهم، فالضمير الأول على هذا للكفار، والثاني للرسل. وقيل : معناه أومأوا إلى الرسل أن اسكتوا. وقيل : أخذوا أيدي الرسل ووضعوها على أفواه الرسل ليسكتوهم ويقطعوا كلامهم. وقيل : إن الأيدي هنا النعم، أي : ردّوا نعم الرسل بأفواههم، أي : بالنطق والتكذيب، والمراد بالنعم هنا ما جاءهم به من الشرائع، وقال أبو عبيدة : ونعم ما قال : هو ضرب مثل، أي : لم يؤمنوا ولم يجيبوا، والعرب تقول للرجل إذا أمسك عن الجواب وسكت : قد ردّ يده في فيه. وهكذا قال الأخفش، واعترض ذلك القتيبي فقال : لم يسمع أحد من العرب يقول ردّ يده في فيه : إذا ترك ما أمر به، وإنما المعنى عضوا على الأيدي حنقاً وغيظاً، كقول الشاعر :
يردّن في فيه غيظ الحسود حتى يعض عليّ الأكفا
وهذا هو القول الذي قدّمناه على جميع هذه الأقوال، ومنه قول الشاعر :
لو أن سلمى أبصرت تخددي عضت من الوجد بأطراف اليد
وهو أقرب التفاسير للآية إن لم يصح عن العرب ما ذكره أبو عبيدة والأخفش، فإن صح ما ذكراه فتفسير الآية به أقرب وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ أي قال الكفار للرسل : إنا كفرنا بما أرسلتم به من البينات على زعمكم وَإِنَّا لَفِي شَكّ مّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ أي : في شك عظيم مما تدعوننا إليه من الإيمان بالله وحده وترك ما سواه مُرِيبٍ أي : موجب للريب. يقال : أربته إذا فعلت أمراً أوجب ريبة وشكاً. والريب قلق النفس وعدم سكونها. وقد قيل : كيف صرحوا بالكفر ثم أمرهم على الشك ؟ وأجيب بأنهم أرادوا إنا كافرون برسالتكم وإن نزلنا عن هذا المقام فلا أقل من أنا نشك في صحة نبوّتكم. ومع كمال الشك لا مطمع في الاعتراف بنبوتكم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن أبي حاتم عن الربيع في قوله : وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكُمْ قال : أخبرهم موسى عن ربه أنهم إن شكروا النعمة زادهم من فضله وأوسع لهم من الرزق وأظهرهم على العالم. وأخرج ابن جرير عن الحسن لأزِيدَنَّكُمْ قال : من طاعتي. وأخرج ابن المبارك، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الشعب عن عليّ بن صالح مثله. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن سفيان الثوري في الآية قال : لا تذهب أنفسكم إلى الدنيا فإنها أهون عند الله من ذلك، ولكن يقول لئن شكرتم لأزيدنكم من طاعتي. وأخرج أحمد، والبيهقي عن أنس قال :( أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم سائل فأمر له بتمرة فلم يأخذها، وأتاه آخر فأمر له بتمرة فقبلها وقال : تمرة من رسول الله، فقال للجارية : اذهبي إلى أمّ سلمة فأعطيه الأربعين درهماً التي عندها )، وفي إسناد أحمد عمارة بن زاذان، وثقه أحمد ويعقوب بن سفيان وابن حبان. وقال ابن معين : صالح، وقال أبو زرعة : لا بأس به. وقال أبو حاتم : يكتب حديثه ولا يحتج به ليس بالمتين، وقال البخاري : ربما يضطرب في حديثه، وقال أحمد : روي عنه أحاديث منكرة، وقال أبو داود : ليس بذاك. وضعفه الدارقطني، وقال ابن عدي : لا بأس به. وأخرج البخاري في تاريخه، والضياء المقدسي في المختارة عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( من ألهم خمسة لم يحرم خمسة، وفيها : ومن ألهم الشكر لم يحرم الزيادة ) وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأغرّ أن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( أربع من أعطيهنّ لم يمنع من الله أربعاً، وفيها : ومن أعطي الشكر لم يمنع الزيادة ؟ ) ولا وجه لتقييد الزيادة بالزيادة في الطاعة، بل الظاهر من الآية العموم كما يفيده جعل الزيادة جزاء للشكر، فمن شكر الله على ما رزقه وسع الله عليه في رزقه، ومن شكر الله على ما أقدره عليه من طاعته زاده من طاعته، ومن شكره على ما أنعم عليه به من الصحة زاده الله صحة ونحو ذلك. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن مسعود أنه كان يقرأ : والذين مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ الله ويقول : كذب النسابون. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر عن عمرو بن ميمون مثله. وأخرج ابن الضريس عن أبي مجلز قال : قال رجل لعليّ بن أبي طالب : أنا أنسب الناس، قال : إنك لا تنسب الناس، فقال بلى : فقال له عليّ : أرأيت قوله : وَعَاداً وَثَمُودَ وأصحاب الرس وَقُرُوناً بَيْنَ ذلك كَثِيراً [ الفرقان : ٣٨ ] قال : أنا أنسب ذلك الكثير، قال : أرأيت قوله : أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الذين مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ والذين مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ الله فسكت. وأخرج أبو عبيد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن عروة بن الزبير قال : ما وجدنا أحداً يعرف ما وراء معدّ بن عدنان. وأخرج أبو عبيد، وابن المنذر عن ابن عباس قال : بين عدنان وإسماعيل ثلاثون أباً لا يعرفون. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه في قوله : فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ قال : لما سمعوا كتاب الله عجبوا ورجعوا بأيديهم إلى أفواههم وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكّ مّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ يقولون : لا نصدّقكم فيما جئتم به فإن عندنا فيه شكاً قوياً. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وأبو عبيد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه عن ابن مسعود : فرّدوا أيديهم في أفواههم قال : عضوا عليها. وفي لفظ : على أناملهم غيظاً على رسلهم.

فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية