٧٥٨- هو استثناء مفرغ لتوسطه بين المبتدإ وخبره. وفيه من الأسئلة : أن " من " هل هي زائدة أم لا ؟ وما معنى " عندنا " ؟ وما معنى " الخزائن " ؟ وما المستثنى منه ؟ وكذلك في الاستثناء الذي بعده وإن لم يكن مفرغا لكونه ذكر معه في هذه الآية.
والجواب : أما " من " فزائدة، لأن المبتدأ ذكر في النفي، وأصل الكلام : " وما شيء إلا عندنا خزائنه ". و " إن " بمعنى : " ما ". وأما لفظ " عند " هاهنا فمجاز، لأن الظرف المكاني على الله تعالى محال حيث أطلق في الكتاب والسنة. فإن قلت : من أي أنواع المجاز هو ؟ وما العلاقة فيه ؟ لأن كل مجاز لابد فيه من علاقة. قلت : إذا قلنا : " زيد عنده مال " فمعناه أن ماله في المواضع التي تنسب إلى ماله كانت قريبة منه أو بعيدة، حتى لو كان له مال في الهند صدق أن عنده مالا. فكل مكان حاز ماله وضمه كان " عندا " له، كان المكان مملوكا له أم لا. وكذلك قولنا : لديه. ومنهم من قال : " لديه " لما قرب، كقوله تعالى : وألفيا سيدها لدى الباب ١، و " عند " لما بعد. إذا تقرر هذا، فقدرة الله تعالى وإرادته وعلمه شامل لمقدوراته، فشبه اشتمال صفة الرب تعالى على الإيجاد باشتمال البقاع على الأموال، فهو من مجاز الاستعارة، والعلاقة الشبه. وهذا التقرير ينطبق على جميع موارد الاستعمال في هذا فتأمله.
وأما الخزائن : فجمع خزانة، وهي المكان الذي يخزن فيه الشيء. واختلف فيها في حق الله تعالى فقيل : هي حقيقة لما ورد في قصة قوم عاد أن الريح عتت على الخزان وانفتح منها قدر حلقة الخاتم. ولو كان قدر منخر الثور لهلكت الأرض، إلى غير هذا من الشواهد الواردة في المنقولات. وقيل : الخزائن مجاز، نسبة كناية عن اشتمال قدرة الله تعالى مقدوراته في مادة الإمكان، كاشتمال الخزانة على ما فيها من الأمتعة، وهذا هو الذي يتجه، فإن قوله تعالى : وإن من شيء : نكرة في سياق النفي مؤكدة في سياق المدح، وذلك يقتضي أن يحمل على كل نوع يتخيل من الممكنات. وهذه الأنواع كلها يتعذر استقرارها في الخزائن، فإن من جملتها الأعراض كالأصوات والألوان والطعوم والروائح وغير ذلك مما لا يمكن بقاؤه، فكيف يوصف بأنه في خزانة ؟ بل في القدرة فقط. وأما المستثنى منه فهو الصفات والأحوال من جهة المعنى والتقدير : " لا يتخيل شيء ولا يتصور في نفس الأمر في حالة من الحالات إلا في حالة استقراره في خزائننا "، وتسلب عنده جميع الأحوال التي تضاد هذه الحالة أو تناقضها، هذا من حيث المعنى. وأما من حيث اللفظ فالمستثنى منه أخبار، وذلك أن هذا المبتدأ يمكن أن يخبر عنه بأشياء كثيرة غير هذا الخبر فكلها منفية إلا هذا الخبر. وكذلك الاستثناء الثاني من الأحوال أيضا لفظا ومعنى. أي : " لا ننزله في حالة عدم التقدير والإهمال والمجازفة، بل في حالة التقدير والضبط، وليس له لفظ يتقاضى خيرا ولا غيره حتى ينقسم استثناؤه إلى لفظ ومعنى، بل معنى فقط. فتأمل الفرق بينهما. ( الاستغناء : ٢١٦- ٢١٨ ).
جهود القرافي في التفسير
أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي القرافي