ﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆ

ثم بالغ في ذلك فقال : وإن من شيء إلا عندنا خزائنه أي : وما من شيء إلا ونحن قادرون على إيجاده وتكوينه أضعاف ما وجد منه، فضرب الخزائن مثلاً لاقتداره أو شبه مقدوراته بالأشياء المخزونة التي لا يحوج إخراجها إلى كلفة واجتهاد. ه. قال ابن جزي : وإن من شيء إلا عندنا خزائنُه ؛ قيل : المطر، واللفظ أعم من ذلك، والخزائن : المواضع الخازنة، وظاهر هذا أن الأشياء موجودة قد خلقت.
ه. وما نُنَزَّله أي : نبرزه من عالم الغيب إلى عالم الشهادة، إلا بقَدَر معلوم : بمقدار محدود في وقت معلوم اقتضته الحكمة وتعلقت به المشيئة، لا يزيد ولا ينقص على ما سبق به العلم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : ولقد جعلنا في سماء قلوب العارفين بروجاً، وهي المقامات التي ينزلون فيها بشموس عرفانهم، وهي : التوبة، والخوف، والرجاء، والورع، والزهد، والصبر، والشكر، والرضى، والتسليم، والمحبة، والمراقبة، والمشاهدة. وزيناها للناظرين ؛ أي : السائرين حتى يقطعوها جملة محمولين بعناية الجذب، حتى يَحلو لهم ما كان مُراً على غيرهم، وحفظنا سماء قلوبهم من طوارق الشيطان، إلا ما كان طيفاً خيالياً لا يثبت، بل يتبعه شهاب الذكر فيحرقه، وأرضَ النفوس مددناها لقيام رسم العبودية، وظهور عالم الحكمة وآثار القدرة، وألقينا فيها جبال العقول الرواسي، لتعرف الرب من المربوب الذي اقتضته الحكمة. وأنبتنا فيها من العلوم الرسمية والعقلية، ما قدر لها في العلم المكنون، وجعلنا لكم فيها من علم اليقين، وحق اليقين ما تتقوت به قلوبكم، وتعيش به أرواحكم وأسراركم، وتعولون به من لستم له برازقين من المريدين السائرين.
سُئل سهل رضي الله عنه عن القوت، فقال : هو الحي الذي لا يموت، فقيل : إنما سألناك عن القوام. فقال : القوام هو العلم، فقيل : سألناك عن الغذاء، فقال : الغذاء هو الذكر، فقيل : سألناك عن طعام الجسد، فقال : ما لَكَ وللجسد، دع من تولاَّه أولاً يتولاه آخراً، إذا دخلت عليه علة رده إلى صانعه، أما رأيت الصنعة إذا عيبت ردوها إلى صانعها حتى يصلحها. وأنشدوا :

يَا خادِمَ الجِسْمِ كَمْ تَشْقَى بِخِدْمَتِهِ وتَطلُب الربْحَ مما فيه خُسْرَانُ
عليك بالنفسِ فاستكمل فَضِِيلَتَهَا فأنت بالنفس لا بالجسم إنسانُ
واستكمال فضيلة النفس هو تزكيتها وتحليتها حتى تشرق عليها أنوار العرفان، وتخرج من سجن الأكوان. وبالله التوفيق. ثم قال تعالى : وإن من شيء من الأرزاق المعنوية والحسية، أو العلوم اللدنية، والفتوحات القدسية إلا عندنا خزائنه ؛ فمن توجه بكليته إلينا فتحنا له خزائن غيبنا، وأطلعناه على مكنون سرنا شيئاً فشيئاً، وما نُنزله إلا بقدر معلوم . وقال الورتجبي : عِلْم الإشارة في الآية : دعوة العباد إلى حقائق التوكل، وهي : قطع الأسباب، والإعراض عن الأغيار، قيل : كان الجنيد رضي الله عنه إذا قرأ هذه الآية : وإن من شيء إلا عندنا خزائنه ، قال : فأين تذهبون ؟. وقال حمدون : قطع أطماع عبيدهِ عمن سواه بقوله : وإن من شيء إلا عندنا خزائنه ، فمن رفع بعد هذا حاجته إلى غيره، فهو لجهله ولؤمه. هـ.
وأرسلنا رياح الهداية لواقح، تلقح الطمأنينة والمعرفة في قلوب المتوجهين، وتلقح اليقين والتوفيق في قلوب الصالحين، وتلقح الإيمان والهداية في قلوب المؤمنين، فأنزلنا من سماء الغيب ماء العلم اللدني، فأسقيناكموه على أيدي وسائط الشيوخ، أو بلا واسطة، وما أنتم له بخازنين، بل يفيض على قلوبكم عند غلبة الحال، أو لهداية مريد، أو عند الاحتياج إليه عند استفتاح القلوب، وإنا لنحن نُحيي قلوباً بالمعرفة واليقين ونميت قلوباً بالجهل والكفر، ونحن الوارثون ؛ لبقاء أنوارنا على الأبد. ولقد علمنا المستقدمين منكم إلى حضرة قدسنا بالاستعداد، وإعطاء الكلية من نفسه، ولقد علمنا المستأخرين عنها بسبب ضعف همته، وإن ربك هو يحشرهم ؛ فيُقرب قوماً لسبقهم، ويبعد آخرين لتأخرهم. إنه حكيم عليم.

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير