فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين .
٥٧٩- أما التسوية : فهي عبارة عن فعل في المحل المقابل للروح ؛ وهو الطين في حق آدم صلى الله عليه وسلم، والنطفة في حق أولاده بالتصفية وتعديل المزاج والتردد في أطوار الخلقة إلى الغاية حتى ينتهي في الصفاء ومناسبة الأجزاء إلى الغاية، فيستعد لقبول الروح وإمساكها كاستعداد الفتيلة بعد شرب الدهن لقبول النار وإمساكها.
وأما النفخ : فهو عبارة عن اشتعال نور الروح في المحل المقابل، فالنفخ سبب الاشتعال، وصورة النفخ في حق الله تعالى محال، والسبب غير محال، فعبر عن نتيجة النفخ بالنفخ ؛ وهو الاشتغال في فتيلة النطفة، وللنفخ صورة ونتيجة.
وأما صورته : فهو إخراج هوى من جوف النافخ إلى جوف المنفوخ فيه- وهو فتيلة النطفة- فيشتعل فيها، وأما السبب الذي اشتعل به نور الروح فهو صفة في الفاعل، وصفة في المحل القابل، وأما صفة الفاعل : فالجود الذي هو ينبوع الوجود، وهو فياض بذاته على كل موجود حقيقة وجوده، ويعبر عن تلك الصفة بالقدرة، ومثالها فيضان نور الشمس على كل قابل الاستنارة عند ارتفاع الحجاب بينهما، والقابل هو الملونات دون الهواء الذي لا لوم له، وأما صفة القابل : فالاستواء واعتدال الحاصل في التسوية، كما قال تعالى : فإذا سوّيته .
ومثال صفة القابل : صفات المرآة، فإن المرآة قبل صقالتها لا تقبل الصورة، وإن كانت محاذية لها، فإذا صقلت حدثت فيها صورة من ذي الصورة المحاذية لها، فكذلك إذا حصل على الاستواء في النطفة حدث فيها الروح من خالق الروح من غير تغير في الخالق تعالى الآن، لا بل إنما حدث الروح قبله لتغير المحل بحصول الاستواء الآن لا قبله.
وأما فيضان الجود، فالمراد به : أن الجود الإلهي سبب لحدوث أنوار الوجود في كل ماهية قابلة للجود، فعبر عنه بالفيض، لا كما يفهم من فيض الماء من الإناء على اليد، فإن ذلك عبارة عن انفصال جزء مما في الإناء واتصاله باليد، فإن الله سبحانه يتعالى عن مثل هذا.
وأما كشف معنى ماهية الروح ومعرفة حقيقتها فهو من السر الذي لم يؤذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم في
كشفه لمن ليس من أهله، فإن كنت من أهله فاسمع.
اعلم أن الروح ليس بجسم يحل في البدن حلول الماء في الإناء، ولا هو عرض يحل القلب أو الدماغ حلول السواد في الأسود والعلم في العالم، بل هو جوهر لا يتجزأ باتفاق أهل البصائر، لأنه لو انقسم لجاز أن يقوم بجزء منه العلم بالشيء، وبجزء آخر منه الجهل بذلك الشيء بعينه، فيكون في حالة واحدة عالما بالشيء وجاهلا به، وذلك محال، فدل بذلك على أنه واحد لا ينقسم.
فإن قيل لم منع رسول الله صلى الله عليه وسلم إفشاء سر الروح وكشف حقيقته ؟ فيقال لأنه يتصف بصفات لا تحملها الأفهام، إذ الناس قسمان : عوام وخواص، أما من غلب على طبعه العامية فإنه لا يصدق بما هو وصف الروح أن يكون وصفا لله تعالى، فكيف يصدق به في وصف الروح الإنساني ؟ وكذلك أنكرت الكرامية١ والحنبلية وغيرهم ممن غلبت عليهم العامية بتنزيه الإله تعالى عن الجسمية وعوارضها، إذ لا يعقلون موجودا إلا متجسما مشارا إليه، ومن ترقى عن العامية قليلا نفى الجسمية عن الله تعالى، وما أطلق أن ينفى عوارض الجسمية عنه، فأثبت الجهة وترقى عن هذه العامية : الأشعرية والمعتزلة فنزهوا الإله تعالى عن الجسمية والجهة.
فإن قيل : لم لا يجوز كشف هذا السر مع هؤلاء ؟ فيقال : لأنهم أحالوا أن تكون هذه الصفة لغير الله تعالى، فإذا ذكرت هذا معهم كفروك وقالوا : هذا تشبيه لأنك تصف نفسك بما هو صفة الإله تعالى على الخصوص وذلك جهل بأخص صفات الله تعالى.
فإن قلنا : إن الإنسان حي عالم قادر مريد سميع بصير متكلم، والله تعالى كذلك ليس فيه تشبيه، لأن هذه الصفات ليس أخص أوصاف الله تعالى، فلذلك البراءة عن المكان والجهة ليست أخص وصف الإله تعالى، بل أخص وصفه تعالى أنه قيوم، أي : قائم بذاته وكل ما سواه قائم به وهو موجود بذاته لا بغيره، وليس للأشياء بأنفسها إلا العدم وإنما لها الوجود من غيرها على سبيل العارية، فالوجود لله تعالى ذاته ليس بمستعار، وما سواه فوجوده منه تعالى لا من نفسه وهذه القيومية ليست إلا لله تعالى.
فإن قيل : ما معنى نسبة الروح لله تعالى في قوله : ونفخت فيه من روحي فاعلم أن الروح منزهة عن الجهة والمكان، وفي قوتها العلم بجميع المعلومات والإطلاع عليها، فهذه مضاهاة ومناسبة ليست لغيره من الجسمانيات، فلذلك اختصت بالإضافة إلى الله تعالى. [ روضة الطالبين ضمن المجموعة رقم ٢ ص : ٤٦-٤٨ ].
٥٨٠- فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فروح الله عز وجل مفتاح أبواب السعادة، ولم يكن ينفخها إلا بعد التسوية، ومعنى التسوية يرجع إلى التعديل. [ كتاب الأربعين : ٧١ ].
٥٨١- الأرواح البشرية حدثت عن استعداد النطفة لقبول النفس من واهبها، كما قال تعالى : فإذا سويته ونفخت فيه من روحي كما حدثت الصورة في المرآة لحدوث الصقالة، وإن كان ذو الصورة سابق الوجود على الصقالة. [ معارج القدس في مدارج معرفة النفس : ١٠٥ ].
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي الشافعي