وقوله : فَقَعُوا : أمرٌ، من وقَع، يقع، قَعْ، فهو مما حُذفت فاؤه. وقوله :( فسجد ) معطوف على محذوف، أي : فخلقه، وأمر الملائكة فسجدوا.
قال تعالى : فإذا سويتُه : عدلت خلقته وهيأتها لنفخ الروح فيها، ونفختُ في من روحي ؛ حين جرى آثاره في تجاويف أعضائه فحيي، وأصل النفخ : إجراء الروح في تجويف جسد آخر. ولما كان الروح يتعلق أولاً بالبخار اللطيف المنبعث من القلب، وتفيض عليه القوة الحيوانية فيسري في تجاويف الشرايين إلى أعماق البدن، جعل تعلقه بالبدن نفخاً. قاله البيضاوي. وأضاف الروح إلى نفسه إضافة ملك إلى مالك، أي : من الروح الذي هو لي، وخلق من خلقي.
فإذا نفخت فيه فَقَعوا : فأسقطوا له ساجدين فسجد الملائكةُ حين أكمل خلقته، وأمرهم بالسجود، وقيل : اكتفى بالأمر الأول، كلُّهم أجمعون ، أكد بتأكيدين للمبالغة في التعميم ومنع التخصيص، إلا إبليس أبى .
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : إنما يصعب الخضوع للجنس أو لمن دونه، في حق من يغلب حسه على معناه، وفرقُه على جمعه وأما من غلب معناه على حسه، حتى رأى الأشياء الحسية أواني حاملة للمعاني، أي : لمعاني أسرار الربوبية، بل رآها أنواراً بارزة من بحر الجبروت، لم يصعب عليه الخضوع لشيء من الأشياء ؛ لأنه يراها قائمة بالله، ولا وجود لها مع الله، فلا يخضع حينئذٍ إلا لله، فالملائكة - عليهم السلام - نفذت بصيرتهم، فرأوا آدم عليه السلام عليه قبلة للحضرة القدسية، فغلب عليهم شهود المعاني دون الوقوف مع الأواني، فخضعوا لآدم صورةً، ولله حقيقة. وإبليس وقف مع الحس، وحجب بالفرق عن الجمع، فلم ير إلا حس آدم معناه، فامتنع عن السجود، وفي الحِكَم العطائية :" فمن رأى الكون، ولم يشهد الحق فيه، أو عنده، أو قبله، أو بعده، أو معه، فقد أعوزه وجود الأنوار، وحجبت عنه شموس المعارف بسحب الآثار ". ولهذا المعنى صعب الخضوع للأشباح ؛ لغلبة الفرق على الناس، إلا من سبقت له العناية، فإنه يخضع مع الفرق ؛ محبة لله، حتى يفتح الله عليه في مقام الجمع، فيخضع لله وحده. والتوفيق لهذا، والسير على منهاجه ـ أعني الخضوع لمن يوصل إلى الله ـ هو الصراط الذي أشار إليه الحق تعالى بقوله : هذا صراط عَلَيَّ مستقيم . والله تعالى أعلم.