ﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴ

تفسير المفردات : سويته : أي أتممت خلقه وهيأته لنفخ الروح فيه. والنفخ : إجراء الريح من الفم أو غيره في تجويف جسم صالح لإمساكها والامتلاء بها، ويراد به هنا إضافة ما به الحياة على المادة القابلة لها.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإيضاح : وبعد أن ذكر سبحانه في معرض الدليل على قدرته – خلق الإنسان الأول، ذكر بعد مقاله للملائكة والجن بشأنه فقال :
وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون * فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين * فسجد الملائكة كلهم أجمعون * إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين * قال يا إبليس ما لك ألا تكون من الساجدين ٣٢ قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأ مسنون أي واذكر أيها الرسول لقومك حين نوّه ربكم بذكر أبيكم آدم في ملائكته قبل خلقه، وتشريفه بأمر الملائكة بالسجود له، وتخلف إبليس عدوه عن السجود له من بين سائر الملائكة حسدا وعنادا واستكبارا بالباطل فقال : لم أكن لأسجد إلخ.
وحكى عنه في آية أخرى أنه قال : أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين [ الأعراف : ١٢ ].
وتقدم هذا القصص في سورة الأعراف وقلنا هناك : إن الأمر بالسجود أمر تكليفي، وأنه قد وقع حوار بين إبليس وربه، ويرى كثير من العلماء أن القصة بيان لغرائز البشر والملائكة والشيطان، إذ جعل الملائكة وهم المدبرون لأمور الأرض بإذن ربهم مسخرون لآدم وذريته، وجعل هذا النوع مستعدا للانتفاع بالأرض كلها لعلمه بسنن الله فيها وعمله بهذه السنن، فانتفع بمائها وهوائها ومعادنها ونباتها وحيوانها وكهربائها ونورها، وبذا أظهر حكمة الله في خلقها، واصطفى بعض أفراده وخصهم بوحيه ورسالته وجعلهم مبشرين ومنذرين، وجعل الشيطان عاصيا متمردا على الإنسان وعدوا له، وجعل النفوس البشرية وسطا بين النفوس الملكية المفطورة على طاعة الله وإقامة سننه في صلاح الخلق، وبين أرواح الجن الذين يغلب على شرارهم – الشياطين - التمرد والعصيان.
وقد ذكر سبحانه حجاج إبليس وذكر سبب امتناعه عن السجود لآدم بأنه خير منه، فإنه خلق من النار وآدم من الطين، والنار خير من الطين وأشرف منه، والشريف لا يعظم من دونه ولو أمره ربه بذلك.
وفي هذا ضروب من الجهالة وأنواع من الفسق والعصيان فإنه :
( ١ ) اعترض على خالقه بما تضمنه جوابه.
( ٢ ) احتج عليه بما يؤيد به اعتراضه.
( ٣ ) إنه جعل امتثال الأمر موقوفا على استحسانه وموافقته لهواه، وهذا رفض لطاعة الخالق وترفّع عن مرتبة العبودية.
( ٤ ) استدلاله على خيريته بالمادة التي منها التكوين، وخيرية المواد بعضها على بعض أمر اعتباري تختلف فيه الآراء، إلى أن الملائكة خلقوا من النور وهو خلق من النار، والنور خير من النار، وهم قد سجدوا امتثالا لأمر ربهم.
( ٥ ) إنه قد جهل ما خص به آدم من استعداده العلمي أكثر من سواه، ومن تشريفه بأمر الملائكة بالسجود له، فكان بذلك أفضل منهم وهم أفضل من إبليس بعنصر الخلقة والطاعة لربهم.


تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير