إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله ؛ لأنهم لا يخافون عقابا حتى يردعهم عنه بخلاف المؤمنين. وأولئك ، إشارة إلى الكفار أو إلى قريش، هم الكاذبون ، أي : الكاذبون على الحقيقة لا غيرهم، فإن المؤمنين حينئذ كلهم كانوا صدوقا عادلين خير القرون، أو الكاملون في الكذب ؛ لأن تكذيب آيات الله تعالى ورسوله المعصوم والطعن فيهما بهذه الخرافات بعدما ظهر أمره بالمعجزات أعظم الكذب، أو الذين عادتهم الكذب لا يصرفهم عنه دين ولا مرؤة، أو الكاذبون في قولهم : إنما أنت مفتر، إنما يعلمه بشر، الجملة الفعلية تدل على انحصار صدور الافتراء عليهم والإسمية على كونها وصفا لازما لهم، روى البغوي بسنده عن عبد الله بن حراد قال : قلت : يا رسول الله " المؤمن يزني ؟ قال : قد يكون ذلك، قلت : المؤمن يسرق ؟ قال : قد يكون ذلك، قلت : المؤمن يكذب ؟ قال :( لا، قال الله : إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله )١، وروى أحمد عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( يطبع المؤمن على الخلال كلها إلا الخيانة والكذب )٢ ورواه البيهقي في شعب الإيمان عن سعد بن أبي وقاص، وروى مالك واليهقي في شعب الإيمان مرسلا أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أيكون المؤمن جبانا ؟ قال : نعم، فقيل له : أيكون المؤمن بخيلا ؟ قال : نعم، فقيل له أيكون المؤمن كذابا ؟ قال : لا. قلت : الظاهر إن المراد بالمؤمن المذكور في الأحاديث، الموجودون في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ولأجل ذلك انعقد الإجماع على كون الصحابة كلهم صدوقا عدولا لا يطعن في حديث أحد منهم، أو المراد به : المؤمن الكامل، وهو الصوفي الفاني الباقي.
٢ رواه أحمد وهو منقطع بين الأعمش وأبي أمامة.
انظر مجمع الزوائد في كتاب: الإيمان، باب: ما جاء أن الصدق من الإيمان (٢٢٧)..
التفسير المظهري
المظهري