ولما بيّن تعالى هذه النعمة الدنيوية عطف عليها نعمة هي أكبر منها جدًّا استجلاباً لكل ظالم، وبين عظمتها بحرف التراخي فقال تعالى : ثم إن ربك ، أي : المحسن إليك، للذين عملوا السوء ، وهو يتناول كل ما لا ينبغي فعله، فيشمل الكفر وسائر المعاصي، بجهالة ، أي : بسببها أو ملتبسين بها ليعمّ الجهل بالله وبقضائه وعدم التدبر في العواقب، فكل من عمل سوءاً إنما يفعله بالجهالة، أما الكفر فلأن أحداً لا يرضى به مع العلم بكونه كفراً ؛ لأنه لو لم يعتقد كونه حقاً فإنه لا يختاره ولا يرتضيه، وأما المعصية فلأن العالم لم تصدر منه المعصية ما لم تصر الشهوة غالبة للعقل، فثبت أنّ كل من عمل السوء فإنما يقدم عليه بسبب الجهالة. ثم تابوا من بعد ذلك ، أي : الذنب ولو كان عظيماً واقتصروا على ما أذن فيه خالقهم، وأصلحوا بالاستمرار على ذلك، إن ربك ، أي : المحسن إليك بتسهيل دينك وتيسيره، من بعدها ، أي : التوبة، لغفور ، أي : بليغ الستر لما عملوا من السوء، رحيم ، أي : بليغ الرحمة، محسن بالإكرام فضلاً منه ونعمة.
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني