ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛ

و أن تميد : مفعول من أجله، أي : كراهة أن تميد بكم. و أنهارًا وسُبلاً : مفعول بمحذوف، أي : وخلق أو وجعل أنهارًا، وقيل : معطوف على " رواسي " ؛ لأن ألقى، فيه معنى الجعل، و علامات : عطف على أنهارًا وسبلاً ، أو نصب على المصدر، أي : ألقى ذلك ؛ لعلكم تعتبرون، وعلامات دالة على وحدانيته.
وألقى في الأرض رواسي ؛ جبالاً رواسي أرست الأرض ؛ كراهة أن تميد بكم ؛ تميل وتضطرب ؛ لأن الأرض قبل أن تُخلق فيها الجبال كانت كرة خفيفة بسيطة، وكان من حقها أن تتحرك كالسفينة على البحر، فلما خُلقت الجبال تقاومت جوانبها ؛ بثقلها نحو المركز، فصارت كالأوتاد التي تمنعها عن الحركة. وقيل : لما خلق الله الأرض جعلت تمور - أي : تتحرك - فقالت الملائكة : ما يستقر أحد على ظهرها، فأصبحت وقد أرْسيَتْ بالجبال. وأنهارًا أي : وجعل فيها أنهارًا تطرد ؛ لسقي الناس والبهائم، وسائر المنافع، وذكره بعد الجبال ؛ لأن الغالب انفجارها منها، وسُبلاً أي : وجعل فيها طُرقًا لعلكم تهتدون لمقاصدكم، أو لمعرفة ربكم، بالنظر في دلالة هذه المصنوعات المتقدمة، على صانعها.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : هو الذي أنزل من سماء الغيوب ماء، أي : علمًا لدنيًا تحيا به القلوب، وتتطهر به النفوس من أدناس العيوب. لكم منه شراب، خمرة تحيا بها الأرواح، وتغيب عن حضرة الأشباح، ويخرج منه على الجوارح أشجار العمل، تثمر بالأذواق، فيه تسيمون، أي : في أذواق العمل ترعون بنفوسكم وقلوبكم، ثم ترحلون عنه إلى حلاوة شهود ربكم، فمن وقف مع حلاوة العمل، أو المقامات أو الكرامات، بقي محجوبًا عن ربه، وعليه نبّه صاحب البردة بقوله :

وَراعِها، وهْيَ في الأعْمَالِ سَائِمَةٌ وإنْ هِيَ اسْتَحْلَتِ المَرْعَى فلا تُسِم
وقال في الحكم :" ربما وقفت القلوب مع الأنوار، كما حُجِبَت النفوس بكثائف الأغيار ".

وقال الششتري :
وقد تحْجُبُ الأنوار للعبْدِ مثْل ما تبعد من إظلام نفْس حوَتْ ضِغنا
يُنبت بذلك العلم طعام نَفوسكم من قوت الشريعة، ومصباح قلوبكم من عمل الطريقة، وثمرة الأعمال في عوالم الحقيقة، وفواكه العلوم من مخازن الفهوم. وسخر لكم ليل القبض، ونهار البسط ؛ لتسكنوا فيه ؛ لِمَا خصكم فيه من مقام التسليم والرضا، ولتبتغوا من فضله ؛ من فيض العلوم وكشف الغطاء، فتشرق حينئذ شمس العرفان، ويستنير قمر الإيمان، وتطلع نجوم العلم، كل مسخر في محله، لا يستتر أحد بنور غيره، وهذا مقام أهل التمكين، يستعملون كل شيء في محله. وما ذرأ لكم في أرض نفوسكم من أنواع العبادات وأحوال العبودية، متلونة باعتبار الأزمنة والأمكنة، وهو الذي سخر بحر المعاني ؛ لتأكلوا منه لحمًا طريًا ؛ علمًا جديدًا لم يخطر على قلب بشر، وتستخرجوا منه جواهر ويواقيت من الحِكَم، تلبسونها وتتزين قلوبكم وألسنتكم بها.
وترى الفلك، أي : سفن الفكرة، فيه مواخر ؛ عائمة في بحر الوحدة، بين أنوار الملكوت وأسرار الجَبروت ؛ لتبتغوا من فضله، وهي معرفة الحق بذاته وأسمائه وصفاته، ولعلكم تشكرون، فتقيدوا هذه النعم الجسام ؛ لئلا تزول. وألقى في أرض البشرية جبال العقول ؛ لئلا يلعب بها ريحُ الهوى، وأجرى عليها أنهارًا من العلوم حين انزجرت عن هواها، وجعل لها طُرقًا تهتدي بها إلى معرفة ربّها، فَتهتدي أولاً إلى نجم الإسلام، ثم إلى قمر توحيد البرهان، ثم إلى شهود شمس العرفان. وبالله التوفيق.

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير