ﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘ

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ أي : وإذا قال لهؤلاء الكفار المنكرين المستكبرين قائل : ماذا أنزل ربكم ؟ أي : أيّ شيء أنزل ربكم ؟ أو ماذا الذي أنزل ؟ قيل : القائل النضر بن الحارث والآية نزلت فيه ؛ فيكون هذا القول منه على طريق التهكم ؛ وقيل : القائل هو من يفد عليه ؛ وقيل : القائل المسلمون، فأجاب المشركون المنكرون المستكبرون ف قالوا أساطير الأولين بالرفع أي : ما تدّعون أيها المسلمون نزوله أساطير الأوّلين، أو أن المشركين أرادوا السخرية بالمسلمين فقالوا : المنزل عليكم أساطير الأوّلين. وعلى هذا فلا يرد ما قيل من أن هذا لا يصلح أن يكون جواباً من المشركين، وإلاّ لكان المعنى الذي أنزله ربنا أساطير الأوّلين والكفار لا يقرّون بالإنزال، ووجه عدم وروده هو ما ذكرناه ؛ وقيل : هو كلام مستأنف، أي : ليس ما تدّعون إنزاله أيها المسلمون منزلاً بل هو أساطير الأوّلين ؛ وقد جوّز على مقتضى علم النحو نصب «أساطير » وإن لم تقع القراءة به، ولا بدّ في النصب من التأويل الذي ذكرنا، أي : أنزل على دعواكم أساطير الأوّلين، أو يقولون ذلك من أنفسهم على طريق السخرية. والأساطير : الأباطيل والترّهات التي يتحدّث الناس بها عن القرون الأولى. وليس من كلام الله في شيء، ولا مما أنزله الله أصلاً في زعمهم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:ثم بين سبحانه أن عذابهم غير مقصور على عذاب الدنيا. فقال : ثُمَّ يَوْمَ القيامة يُخْزِيهِمْ بإدخالهم النار، ويفضحهم بذلك ويهينهم، وهو معطوف على مقدّر، أي هذا عذابهم في الدنيا، ثم يوم القيامة يخزيهم { وَيَقُولُ لهم مع ذلك توبيخاً وتقريعاً أَيْنَ شُرَكَائِي كما تزعمون وتدّعون، قرأ ابن كثير من رواية البزي «شركاي» من دون همز، وقرأ الباقون بالهمز، ثم وصف هؤلاء الشركاء بقوله : الذين كُنتُمْ تشاقون فِيهِمْ قرأ نافع بكسر النون على الإضافة، وقرأ الباقون بفتحها، أي : تخاصمون الأنبياء والمؤمنين فيهم، وعلى قراءة نافع تخاصمونني فيهم وتعادونني، ادعوهم فليدفعوا عنكم هذا العذاب النازل بكم.
وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله : لاَ جَرَمَ يقول : بلى. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك لاَ جَرَمَ قال : يعني الحق. وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك قال : لا كذب. وأخرج مسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه وغيرهم عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرّة من كبر، ولا يدخل النار من كان في قلبه مثقال ذرّة من إيمان )، فقال رجل : يا رسول الله، الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسناً، فقال :( إن الله جميل يحبّ الجمال، الكبر بطر الحق وغمص الناس ) وفي ذمّ الكبر، ومدح التواضع أحاديث كثيرة، وكذلك في إخراج محبة حسن الثوب وحسن النعل، ونحو ذلك من الكبر أحاديث كثيرة. والحاصل أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بيّن ماهية الكبر أنه بطر الحق وغمص الناس، فهذا هو الكبر المذموم. وقد ساق صاحب الدرّ المنثور عند تفسيره لهذه الآية : أعني قوله سبحانه : إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المستكبرين أحاديث كثيرة ليس هذا مقام إيرادها، بل المقام مقام ذكر ما له علاقة بتفسير الكتاب العزيز. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله : قَالُوا أساطير الأولين أن ناساً من مشركي العرب كانوا يقعدون بطريق من أتى نبيّ الله صلى الله عليه وسلم، فإذا مرّوا سألوهم فأخبروهم بما سمعوا من النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : إنما هو أساطير الأوّلين. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ الآية يقول يحملون مع ذنوبهم ذنوب الذين يضلونهم بغير علم. وذلك مثل قوله سبحانه : وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ [ العنكبوت : ١٣ ]. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد نحوه، وزاد : ولا يخفف ذلك عمن أطاعهم من العذاب شيئاً. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : قَدْ مَكَرَ الذين مِنْ قَبْلِهِمْ قال : نمروذ بن كنعان حين بنى الصرح. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير عن زيد بن أسلم أنه النمروذ أيضاً. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد نحوه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله : فَأَتَى الله بنيانهم مّنَ القواعد قال : أتاها أمر الله من أصلها فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السقف مِن فَوْقِهِمْ والسقف : أعالي البيوت فائتكفت بهم بيوتهم، فأهلكم الله ودمرهم وأتاهم العذاب مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ . وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس تشاقون فِيهِمْ قال : تخالفوني.


فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية