ثم إنه تعالى قد أخبر أنه عير١ عليهم، وأنكر٢ عليهم بالعقوبة في الدنيا بعد إنذار الرسل ؛ فلهذا قال : فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ أي : اسألوا٣ عما كان من أمر من خالف الرسل وكذب الحق كيف دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا [ محمد : ١٠ ]، وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ [ الملك : ١٨ ].
ثم أخبر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن حرصه على هدايتهم لا ينفعهم، إذا كان الله قد أراد إضلالهم، كما قال تعالى : وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا [ المائدة : ٤١ ]، وقال نوح لقومه : وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ [ هود : ٣٤ ]، وقال في هذه الآية الكريمة : إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ كما قال تعالى : مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ٤ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [ الأعراف : ١٨٦ ]، وقال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الألِيمَ [ يونس : ٩٦، ٩٧ ].
فقوله : فَإِنَّ اللَّهَ أي : شأنه وأمره أنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ؛ فلهذا قال : لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ أي : من أضله فمن الذي يهديه من بعد الله ؟ أي : لا أحد وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ أي : ينقذونهم٥ من عذابه ووثاقه، أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [ الأعراف : ٥٤ ].
٢ في أ: "وأنكره"..
٣ في أ: "فاسألوا".
.
٤ في ت: "ويمدهم" وهو خطأ..
٥ في ت، ف، أ: "ينقذهم"..
تفسير القرآن العظيم
أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي
سامي سلامة