ﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡ

تمهيد :
تستمر الآيات في كشف ألاعيب المشركين، ومن ذلك : طعنهم في إرسال الرسل، وقولهم : نحن مجبورون على أعمالنا، فلو شاء الله لم نعبد الأصنام، ولم نحرم ما حرمنا من الأطعمة، وهي تعلة كاذبة يتعلل بها المكذبون والكافرون ؛ لإلقاء التبعة على القدر، فقد خلق الله الإنسان مزودا بأسباب الهداية والغواية، فمن اختار الهدى وسار في طريق الطاعة ؛ أمده الله بالمعونة والفلاح، ومن اختار التكذيب والغواية ؛ صرف الله عنه الهدى، وقد عقب الله على هذه الآية : بأنه أرسل الرسل ؛ لدعوة الناس إلى التوحيد، والبعد عن عبادة الطاغوت والأصنام والباطل، فمن الناس من اهتدى بهداية السماء، ومنهم من اختار الضلالة فاستحق العذاب، هكذا كان شأن الأمم السابقة مع رسلهم، فلا تحزن يا محمد، فليس عليك إلا البلاغ، قال تعالى : فذكر إنما أنت مذكر*لست عليهم بمصيطر . ( الغاشية : ٢٢، ٢١ ).
إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل ومالهم من ناصرين .
تأتي هذه الآية ؛ تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم، وتحديدا لرسالته بالتبليغ، وفيها تهدئة لخاطره، وتطمينا لنفسه، وقد كان حريصا على هداية قومه، راغبا في إيمانهم، بيد أنهم آثروا الضلالة، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم بمثابة من يشعل ضوءا لهداية قومه، فيتتابع الفراش في إلقاء نفسه في هذه النار ؛ ليشتعل ويهلك، كما ورد في الحديث الصحيح :
( إنما مثلي ومثل قومي كمثل رجل أشعل نارا فجعل الفراش يتهافت على الوقوع فيهما، وإني ممسك بحجز قريش أن تقع في النار )٢٥.
ومعنى الآية :
إن تحرص أيها الرسول الكريم على هداية هؤلاء المصرين على كفرهم ؛ لن ينفعك حرصك ؛ لأن الله تعالى لا يخلق الهداية جبرا وقسرا، فيمن استحق الضلالة، بسوء اختياره، وتوجيه عزائمه إلى عمل المعاصي، والإشراك بربه.
وما لهم من ناصرين . تذييل مؤكد لما قبله. أي : وليس لهؤلاء الضالين من ناصر يدفع عنهم عذاب الله تعالى، إن نزل بهم.
ونحو الآية قوله تعالى : إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء . ( القصص : ٥٦ ).
وقوله سبحانه : من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون . ( الأعراف : ١٨٦ ).
ومجمل القول :
إن من اختار الضلالة، ووجه همته إلى تحصيل أسبابها ؛ فالله سبحانه وتعالى لا يخلق فيه الهداية قسرا وإلجاء ؛ لأن مدار الإيمان والكفر والاختيار، لا الإلجاء والاضطرار.

تفسير القرآن الكريم

عرض الكتاب
المؤلف

شحاته

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير