ثم خصص الخطاب برسوله صلى الله عليه وسلم مؤكداً لما تقدّم فقال : إِن تَحْرِصْ على هُدَاهُمْ أي : تطلب بجهدك ذلك فَإِنَّ الله لاَ يَهْدِى مَن يُضِلُّ قرأ ابن مسعود وأهل الكوفة : لا يهدي بفتح حرف المضارعة على أنه فعل مستقبل مسند إلى الله سبحانه، أي : فإن الله لا يرشد من أضله، و من في موضع نصب على المفعولية.
وقرأ الباقون «لا يهدي » بضم حرف المضارعة على أنه مبني للمجهول، واختار هذه القراءة أبو عبيد، وأبو حاتم على معنى أنه لا يهديه هادٍ كائناً من كان. و من في موضع رفع على أنها نائب الفاعل المحذوف، فتكون هذه الآية على هذه القراءة كقوله في الآية الأخرى مَن يُضْلِلِ الله فَلاَ هَادِيَ لَهُ [ الأعراف : ١٨٦ ]. والعائد على القراءتين محذوف، أي : من يضله. وروى أبو عبيد عن الفراء على القراءة الأولى أن معنى لاَّ يَهِدِّى لا يهتدي كقوله تعالى : أَمَّن لاَّ يَهِدِّى إِلاَّ أَن يهدى [ يونس : ٣٥ ]. بمعنى يهتدي. قال أبو عبيد : ولا نعلم أحداً روى هذا غير الفراء، وليس بمتهم فيما يحكيه. قال النحاس : حكي عن محمد بن يزيد المبرد، كأن معنى لاَ يَهْدِى مَن يُضِلُّ من علم ذلك منه، وسبق له عنده وَمَا لَهُم مّن ناصرين ينصرونهم على الهداية لمن أضله الله، أو ينصرونهم بدفع العذاب عنهم.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن أبي العالية قال : كان لرجل من المسلمين على رجل من المشركين دين فأتاه يتقاضاه فكان فيما تكلم به : والذي أرجوه بعد الموت إنه لكذا وكذا، فقال له المشرك : إنك لتزعم أنك تبعث من بعد الموت، فأقسم بالله جهد يمينه لا يبعث الله من يموت، فأنزل الله وَأَقْسَمُوا بالله جَهْدَ أيمانهم لاَ يَبْعَثُ الله مَن يَمُوتُ الآية. وأخرج ابن العقيلي، وابن مردويه عن عليّ في قوله : وَأَقْسَمُوا بالله جَهْدَ أيمانهم لاَ يَبْعَثُ الله مَن يَمُوتُ قال : نزلت فيّ. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن المنذر عن أبي هريرة، قال :( قال الله تعالى : سبني ابن آدم ولم يكن ينبغي له أن يسبني، وكذبني ولم يكن ينبغي له أن يكذبني، أما تكذيبه إياي، فقال : وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت ، وقلت : بلى وعداً عليه حقاً وأما سبه إياي، فقال : إن الله ثالث ثلاثة [ المائدة : ٧٣ ]، وقلت : [ قل ] هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد [ سورة الإخلاص ١ - ٤ ]، هكذا ذكره أبو هريرة موقوفاً وهو في الصحيحين مرفوعاً بلفظ آخر. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله : لِيُبَيّنَ لَهُمُ الذي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ يقول : للناس عامة.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني