ثم ذكر مقالة أخرى لأهل الشرك، وهو إنكار البعث، فقال :
وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلَى وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً وَلاكِنَّ أَكْثَرَ الْنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ * لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَاذِبِينَ * إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
قلت : وأقسموا : عطف على وقال الذين أشركوا ؛ إيذانًا بأنهم، كما أنكروا التوحيد، أنكروا البعث، مقسمين عليه ؛ زيادةً في القطع على فساده، فرد الله عليهم بأبلغ رد، فقال : بلى . قاله البيضاوي. وتقدم الكلام على " بلى "، في البقرة والأعراف١، و وعدًا : مصدر مؤكد لنفسه، وهو ما دل عليه بلى ؛ فإن يبعث وعد، أي : بلى، وعدهم ذلك وعدًا حقًا، ونصب ابن عامر، فيكون عطفًا على نقول ، أو جوابًا للأمر.
يقول الحقّ جلّ جلاله : وأقسموا أي : المشركون، بالله جَهْدَ أيمانهم أي : أبلغها وأوكدها، لا يبعثُ اللهُ مَن يموت ، فردَّ الله عليهم بأبلغ رد، فقال : بلى يبعثهم ؛ وعدًا عليه إنجازه حقًّا ، لا يخلف ؛ لامتناع الخلف في وعده، أو : لأن البعث مقتضى حكمته ؛ لتنزيه فعله عن العبث، ولكنّ أكثرَ الناس لا يعلمون أنهم يُبعثون، إما لعدم علمهم بأنه من موجبات الحكمة، التي جرت عادته بمراعاتها، وإما لقصور نظرهم باعتبار المألوف، ووقوفهم مع العوائد، فتوهموا امتناعه، وقالوا :
أَئذَا كُنَّا تُرَاباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ [ الرّعد : ٥ ]، ولم ينظروا إلى قدرة الله التي لا يعجزها شيء.
فإن سبقت له العناية يَقُلِ الحقُّ تعالى في شأنه : بلى، يبعثه، ويحيي روحه بالمعرفة واليقين، وعدًا عليه حقًا، ولكن أكثر الناس لا يعلمون أن قدرته عامة. فكم من جاهل غبي يخرج منه عالِمَ ولي، وكم من خصوص خرجوا من اللصوص، والله يختص برحمته من يشاء. يبعثهم ؛ ليُبين لهم الذي يختلفون فيه ؛ من نفوذ قدرته تعالى وعموم تعلقها، وليعلم الذين كفروا بطريق الخصوص أنهم كانوا كاذبين فيما زعموا ؛ إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون .
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي