ثم ذكر عناد قريش وإنكارهم للبعث فقال : وَأَقْسَمُوا بالله جَهْدَ أيمانهم مصدر في موضع الحال أي : جاهدين لاَ يَبْعَثُ الله مَن يَمُوتُ من عباده، زعموا أن الله سبحانه عاجز عن بعث الأموات، فردّ الله عليهم ذلك بقوله : بلى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقّا هذا إثبات لما بعد النفي، أي : بلى يبعثهم، و وعدا مصدر مؤكد لما دلّ عليه «بلى » وهو يبعثهم لأن البعث وعد من الله وعد عباده به. والتقدير : وعد البعث وعداً عليه حقاً لا خلف فيه، و حقاً صفة ل وعد ، وكذا عليه فإنه صفة ل وعد أي : كائناً عليه، أو نصب حقاً على المصدرية : أي حق حقاً ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ أن ذلك يسير عليه سبحانه غير عسير.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن أبي العالية قال : كان لرجل من المسلمين على رجل من المشركين دين فأتاه يتقاضاه فكان فيما تكلم به : والذي أرجوه بعد الموت إنه لكذا وكذا، فقال له المشرك : إنك لتزعم أنك تبعث من بعد الموت، فأقسم بالله جهد يمينه لا يبعث الله من يموت، فأنزل الله وَأَقْسَمُوا بالله جَهْدَ أيمانهم لاَ يَبْعَثُ الله مَن يَمُوتُ الآية. وأخرج ابن العقيلي، وابن مردويه عن عليّ في قوله : وَأَقْسَمُوا بالله جَهْدَ أيمانهم لاَ يَبْعَثُ الله مَن يَمُوتُ قال : نزلت فيّ. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن المنذر عن أبي هريرة، قال :( قال الله تعالى : سبني ابن آدم ولم يكن ينبغي له أن يسبني، وكذبني ولم يكن ينبغي له أن يكذبني، أما تكذيبه إياي، فقال : وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت ، وقلت : بلى وعداً عليه حقاً وأما سبه إياي، فقال : إن الله ثالث ثلاثة [ المائدة : ٧٣ ]، وقلت : [ قل ] هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد [ سورة الإخلاص ١ - ٤ ]، هكذا ذكره أبو هريرة موقوفاً وهو في الصحيحين مرفوعاً بلفظ آخر. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله : لِيُبَيّنَ لَهُمُ الذي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ يقول : للناس عامة.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني