ﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡ

قوله تعالى : والأنعام خَلَقَهَا لَكُمْ الآية هذه الدلالة الثالثة ؛ لأنَّ أشرف الأجساد الموجودة في العالم السفليِّ بعد الإنسان سائرُ الحيوانات لاختصاصها بالقوى الشريفة، وهي الحواسُّ الظاهرة والباطنة والشهوةُ والغضب.
قوله : والأنعام خَلَقَهَا العامة على النصب، وفيه وجهان :
أحدهما : أنه نصب على الاشتغال وهو أرجح من الرفع لتقدم جملة فعليَّة.
والثاني : أنه نصب على عطفه على " الإنْسانَ "، قاله الزمخشريُّ، وابن عطيَّة فيكون " خَلقَهَا " على هذا مؤكداً، وعلى الأول مفسراً.
وقرئ١ شاذًّا " والأنْعَامُ " رفعاً وهي مرجوحةٌ.
قوله : لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ يجوز أن يتعلق " لكم " ب " خلقها "، أي : لأجلكم ولمنافعكم، ويكون " فيها " خبراً مقدماً، و " دفء " مبتدأ مؤخرٌ، ويجوز أن يكون " لَكُمْ " هو الخبر، أو يكون " فيها " هو الخبر، و " لكم " متعلق بما تعلَّق به الخبر، أو يكون " فيها " حالاً من " دفءٌ " لأنه لو تأخر لكان صفة له، أو يكون " فيها " هو الخبر، و " لكم " متعلق بما تعلق به، أو يكون حالاً من " دفء " قاله أبو البقاء٢.
وردَّه أبو حيَّان٣ : بأنَّه إذا كان العاملُ في الحال معنويًّا، فلا يتقدم على الجملة بأسرها، ولا يجوز " قَائماً في الدَّارِ زيْدٌ " فإن تأخَّرت نحو " زَيْدٌ في الدَّارِ قَائِماً " جاز بلا خلافٍ، أو توسَّطت بخلاف أجازه الأخفش ومنعه غيره.
ولقائل أن يقول : لما تقدم العامل فيها، وهي معه جاز تقديمها عليه بحالها إلا أن نقول : لا يلزم من تقديمها وهو متأخر تقديمها عليه وهو متقدم لزيادة الفتح.
وقال أبو البقاء أيضاً :" ويجوز أن يرتفع " دِفْءٌ " ب " لَكُمْ " أو ب " فِيهَا " والجملة كلُّها حالٌ من الضمير المنصوب ".
قال أبو حيان " ولا يسمَّى جملة، لأنَّ التقدير : خلقها كائنٌ لكم فيها دفءٌ، أو خلقها لكم كائناً فيها دفءٌ ".
قال شهابُ الدِّين :" قد تقدم الخلاف في تقدير متعلق الجار إذا وقع حالاً أو صفة أو خبراً، هل يقدر فعلاً أو اسماً، ولعلَّ أبا البقاءِ نحا إلى الأول فتسميته له جملة صحيحٌ على هذا ".
والدِّفءُ : اسم لما يدفأ به، أي : يسخنُ.
قال الأصمعيُّ : ويكون الدفءُ السخونة، يقال : اقعد في دفء هذا الحائط، أي : في كنفه، وجمعه أدفَاء، ودَفِئَ يومنا فهو دَفيءٌ، ودَفِئَ الرَّجُل يَدْفأ فهو دَفْآنُ، وهي دَفْأى، كَسَكْران، وسَكْرَى.
والمُدفِّئَةُ بالتخفيف والتشديد، الإبل الكثيرة الوبر الكثيرة الوبر والشَّحم، وقيل : الدِّفْءُ : نِتاجُ الإبل وألبَانُهَا وما ينتفعُ به منها.
وقرأ زيد بن علي :" دِفٌ " بنقل حركة الهمزة إلى الفاءِ، والزهريُّ : كذلك إلاَّ أنَّه شدَّد الفاء، كأنَّه أجرى الوصل مجرى الوقف، نحو قولهم : هذا فرخٌّ بالتشديد وقفاً.
وقال صاحب اللَّوامحِ :" ومنهم من يعوض من الهمزة فيشدِّد الفاء وهو أحد وجهي حمزة بن حبيبٍ وقفاً ".
قال شهابُ الدِّين٤ : والتشديد وقفاً : لغة مستقلة وإن لم يكن ثمَّ حذف من الكلمة الموقوف عليها.
قوله " ومَنافِعُ " أراد النَّسْل، والدَّرَّ، والركوب، والحملَ، وغيرها، فعبر عن هذا الوصف بالمنفعة ؛ لأنَّه الأعمُّ، والدر والنسل قد ينتفع به بالبيع بالنقودِ، وقد ينتفع به بأن تبدَّل بالثياب، وسائر الضَّرورياتِ، فعبَّر عن جملة الأقسامِ بلفظ المنافع ليعمَّ الكل.

فصل


الحيوانات قسمان :
منها ما ينتفع به الإنسان، ومنها ما لا يكون كذلك، والقسم المنتفع به [ أفضل ]٥ من الثاني، والمنتفع به إمَّا أن ينتفع به الإنسان في ضروراته، مثل الأكلِ واللبسِ أو في غير ضروراته، والأول أشرف وهو الأنعام، فلهذا يدأ بذكره فقال : والأنعام خَلَقَهَا لَكُمْ وهي عبارة عن الأزواج الثمانية، وهي الضَّأنُ والمعز والبقر والإبل.
قال الواحديُّ : تمَّ الكلام عند قوله : والأنعام خَلَقَهَا ثم ابتدأ وقال : لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ .
قال صاحبُ النَّظم : أحسنُ الوجهين أن يكون الوقف عند قوله :" خَلَقَهَا " ؛ لأنه عطف عليه
١ ينظر: الإملاء ٢/٧٨..
٢ ينظر: البحر المحيط ٥/٤٦٠..
٣ ينظر: الدر المصون ٤/٣١٣..
٤ ينظر: الدر المصون ٤/٣١٣..
٥ في ب: أشرف..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية