قوله تعالى : والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون ( ٥ ) إلى قوله : ويخلق ما لا تعلمون :
الأنعام : الإبل والبقر والغنم. والدفء : السخانة بالأكسية التي تعمل منها ونحوها. وقيل الدفء النسل ١ وقال الحسن الدفء ما استدفئ به من أصوافها وأوبارها وأشعارها. واستدل به قوم على جواز الانتفاع بها في حالتي حياة الحيوان وموته. وقال بعضهم ليس هذا الاستدلال بصحيح لأن الله تعالى قرن ٢ ذلك مع الأكل من الأنعام. فقال : ومنها تأكلون فدل ذلك على إباحة هذه الثلاثة الأشياء بشرط الذكاة ٣. والأثقال الأمتعة. وقيل المراد بها ٤ هنا الأجسام كقوله تعالى : وأخرجت الأرض أثقالها ( ٢ ) [ الزلزلة : ٢ ] أي أجساد بني آدم ٥.
وقوله : إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس... الآية. إلى بلد توجبهم إليه بحسب اختلاف أغراض الناس. وقيل المراد مكة، قاله ابن عباس وغيره ٦. وفي الآية على هذا حض على الحج. وقد اختلف في ركوب البقر. وفي الآية دليل على جوازه لقوله تعالى : وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس [ النحل : ٧ ] فعم الأنعام كلها. وأما الحمل عليها دون الركوب فلا أعرف في جوازه خلافا.
وقوله : والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة [ النحل : ٨ ] لا خلاف في جواز ٧ ركوب هذه ما لم تكن جلالة. واختلف في الجلالة منها هل يجوز ركوبها أم لا ؟ وعموم الآية دليل على جوازه. وكذلك اختلف في ركوب الجلالة من الإبل، وعموم الآية أيضا دليل على جوازه. وتخصيصه تعالى الخيل والبغال والحمير بالركوب دليل على أنه لا يجوز أكلها، وهذا الذي يسميه الأصوليون دليل الخطاب، وبينهم في القول به خلاف وعلى ذلك اختلفوا في أكلها على ثلاثة أقوال : المنع والكراهة – والقولان في المذهب – والجواز، وبالتحريم قال أصحاب أبي حنيفة، واحتج بعضهم بالآية وزعم أن فيها دلالة على ذلك. وبالجواز قال أصحاب الشافعي وأنكروا دلالة الآية، وقالوا إنما لم يذكر الله تعالى الأكل منها كما ذكره في الأنعام لأنها لا تعد لذلك عرفا وإنما تؤكل إذا أصابتها زمانة ٨. واختلف في ركوب ٩ الإبل ١٠، والجمهور على إباحته وحجتهم عموم الآية ١١.
٢ في (ح): "قرب"..
٣ ذكر ذلك الكيا الهراسي في أحكام القرآن ٤/ ٢٤١..
٤ في (ح)، (و)، (ز): "به"..
٥ قال ابن عطية واللفظ يحتمل المعنيين، قال النقاش: ومنه سيئ الإنس والجن الثقلين. راجع المحرر الوجيز ١٠/ ١٦٢..
٦ وعكرمة والربيع بن أنس. قاله ابن عطية. راجع م. س. ، ن. ص..
٧ "جواز" كلمة ساقطة في (أ)، (ز)..
٨ ذكر كل ذلك الكيا الهراسي في أحكام القرآن ٤/ ٢٤٢، وكذلك القرطبي في الجامع لأحكام القرآن ١٠/ ٧٦، ٧٧..
٩ في (و): "أكل"..
١٠ في (أ)، (ز): "الأبان"..
١١ من قوله: "واختلف... إلى: الآية" ساقط في (د)..
أحكام القرآن
ابن الفرس