ﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡ

وقوله: وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ [٥] نصبت (الأنعامَ) بخلقها لَمَّا كانت فِي الأنعام واو. كذلك كل فعل عاد عَلَى اسم بِذكرِه، قبل الاسم واو أو فاء أو كلام يُحتمل نُقْلة الفعل إلى ذَلِكَ الحرف الَّذِي قبل الاسم ففيه وجهان: الرفعُ والنصب. أَمَّا النصب فأن تَجْعَل الواو ظَرْفًا للفعل. والرفع أن تَجْعَل الواو ظرفًا للاسم الَّذِي هى معه. ومثله (وَالْقَمَرَ «١» قَدَّرْناهُ مَنازِلَ) (وَالسَّماءَ بَنَيْناها «٢» بِأَيْدٍ) وهو كَثِير.
ومثله: (وَكُلَّ إِنسانٍ «٣» أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ) (وَكُلَّ شَيْءٍ «٤» أَحْصَيْناهُ).
والوجه فِي كلام العرب رفع كُلّ «٥» فِي هذين الحرفين، كَانَ فِي آخره راجع من الذكر أو لَمْ يكن لأنه فِي مذهب ما من شيء إِلَّا قد أحصيناهُ فِي إمام مُبين والله أعلم. سمعت العرب تُنشد:

ما كُلُّ مَنْ يظَّنُّنِي أنا مُعْتب ولا كلُّ ما يُرْوَى عَليَّ أقول «٦»
فلم يوقع عَلَى (كلّ) الآخرة (أقول) ولا عَلَى الأولى (مُعْتب). وأنشدني بعضهم:
قد عَلِقت أمُّ الْخِيَار تَدَّعِي عليَّ ذَنْبا كلُّه لَمْ أصْنع
وقرأ علىّ بعض العرب بسورة يس. (وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ) رفعًا قرأها غير مَرّة.
وأمّا قوله: (وَكُلُّ شَيْءٍ «٧» فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ) فلا يكون إلا رفعًا لأن المعنى- والله أعلم-
(١) الآية ٣٩ سورة يس.
(٢) الآية ٤٧ سورة الذاريات.
(٣) الآية ١٣ سورة الإسراء.
(٤) الآية ١٢ سورة يس والآية ٢٩ سورة النبأ. [.....]
(٥) أي لفظ كل فى الآيتين الأخيرتين.
(٦) انظر ص ١٤٠ من الجزء الأول.
(٧) الآية ٥٢ سورة القمر.

صفحة رقم 95

كلُّ فعلهم فِي الزبر مكتوب، فهو مرفوع بِفي و (فَعلوه) صلة لشيء. ولو كانت (فِي) صلة لفعلوه فِي مثل هَذَا من الكلام جاز رفع كل ونصبها كما تَقُولُ: وكلّ رجل ضربوه فِي الدار، فإن أردت ضَرَبوا كلّ رجل فِي الدار رفعت ونصبت. وإن أردت: وكلّ من ضربوه هُوَ فِي الدار رفعت.
وقوله: (لَكُمْ فِيها دِفْءٌ) وهو ما ينتفع بِهِ من أوبارها. وكتبت بغير هَمز لأن الهمزة إذا سكن ما قبلها حذفت من الكتاب، وَذَلِكَ لِخفاء الْهَمْزَة إذا سُكت عليها، فلمّا سكن ما قبلها ولم يقدِروا عَلَى همزها فِي السكت كَانَ سكوتهم كأنه عَلَى الفاء. وكذلك قوله: (يُخْرِجُ الْخَبْءَ) و (النَّشْأَةَ) «١» و (مِلْءُ الْأَرْضِ) واعمل فِي الْهَمْز بِمَا وجدت فِي هذين الحرفين.
وإن كتبت الدِّفء فِي الكلام بواو فِي الرفع وياء فِي الخفض وألف فِي النصب كَانَ صَوَابًا.
وَذَلِكَ عَلَى ترك الْهَمْز ونقل إعراب الْهَمْزَةِ إلى الحرف الَّذِي قبلها. من ذَلِكَ قول العرب. هَؤُلَاءِ نَشء صِدْق، فإذا طرحُوا الْهَمْزَةَ قالوا: هَؤُلَاءِ نَشُو صِدْق ورأيت نَشَا صِدْق ومررتُ بِنَشي صدق. وأجود من ذَلِكَ حذف الواو والألف والياء لأن قولهم: يسل أكثر من يسال، ومسلة أكثر من مسالة وكذلك بين الْمَر وزوجه إذا تركت الْهَمْزَةُ.
والمنافع: حملهم عَلَى ظهورها، وأولادُها وألبانها. والدفء: ما يلبسونَ منها، ويبتنونَ من أوبارها.
وقوله: حِينَ تُرِيحُونَ [٦] أي حين تريحونَ إبلكم: تردّونَها بين الرعي ومباركها يُقالُ لها الْمُرَاح. والسروح بالغداة (قَالَ «٢» الفرّاء) إذا سعت للرعى.

(١) كذا وقد يكون النشأ حتى تكون الهزة بسكت عليها.
(٢) سقط ما بين القوسين فى ا.

صفحة رقم 96

وقوله: بِشِقِّ الْأَنْفُسِ [٧] أكثر الْقُرَّاء عَلَى كسر الشِّين ومعناها: إِلَّا بجَهْد الأنفس. وكأنه اسم وكأن الشَّقّ فِعْل كما تُوهِّم أن الْكُرْه الاسم وأن الْكَرْه الفعل. وقد قرأ بِهِ بعضهم «١» (إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ) وقد يجوز فى قوله: (بِشِقِّ الْأَنْفُسِ) أن تذهب إلى أن الْجَهد ينقص من قوة الرجل ونَفْسه حَتَّى يجعله قد ذَهَب بالنصف من قوّته، فتكون الكسرة عَلَى أَنَّهُ كالنصف والعرب تَقُولُ: خذ هَذَا الشِّقّ لشقّة الشاة ويُقال: المالُ بيني وبينك شَقّ الشعرة وشِقّ الشَّعَرة وهما متقاربان، فإذا قالوا شققت عليْكَ شَقًّا نصبوا ولم نسمع غيره.
وقوله: وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ [٨] تنصبها بالردّ عَلَى خَلَق. وإن شئت جعلته منصوبًا عَلَى إضْمَار سَخّر: فيكون فِي جَواز إضماره مثل قوله: (خَتَمَ «٢» اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ) من «٣» نصب فِي البقرة نصب الغشاوة بإضمار (وجعل) ولو رفعت (الخيلَ والبغالَ والحميرَ) كَانَ صوابًا من وجهين. أحدهما أن تَقُولَ: لَمّا لَمْ يكن الفعل معها ظاهرًا رفعته عَلَى الاستئناف. والآخر أن يُتوهّم أن الرفع فِي الأنعام قد كَانَ يصلح فتردّها عَلَى ذَلِكَ كأنك قلت:
والأنعامَ خلقها، والخيلُ والبغالُ عَلَى الرفع.
وقوله عزّ وجلّ: (لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً)، ننصبها: ونجعلها زينة عَلَى فعل مضمر، مثل وَحِفْظاً «٤» مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ) أي جعلناها. ولو لَمْ يكن فِي الزينة ولا فى (وَحِفْظاً) واو لنصبتها بالفعل الَّذِي قبلها لا بالإضمار. ومثله أعطيتك درهمًا ورغبة فِي الأجر، المعنى أعطيتكه رغبةً.
فلو ألقيت الواو لَمْ تَحتج إلى ضَمير لأنه متصل بالفعل الَّذِي قبله.
وقوله: وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ [٩] يقال: هداية الطرق. ويقال السبيل، الإسلام

(١) هو أبو جعفر كما فى الإتحاف وقد وافقه اليزيدي راوى أبى عمرو، وخالف فى هذا أبا عمرو.
(٢) الآية ٧ سورة البقرة.
(٣) هو المفضل كما فى البحر المحيط ١/ ٤٩.
(٤) الآية ٩ سورة الصافات.

صفحة رقم 97

معاني القرآن للفراء

عرض الكتاب
المؤلف

أبو زكريا يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور الديلمي الفراء

تحقيق

أحمد يوسف نجاتي

الناشر دار المصرية للتأليف والترجمة - مصر
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف ألفاظ القرآن
اللغة العربية