٦٧ - قوله تعالى: وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ الآية.
قال صاحب النظم: تأويل الآية: ولكم من ثمرات النخيل والأعناب ما تتخذون منه سكرًا (١)؛ لأنه لو كان مبتدأً ومنقطعًا مما قبله لوجب أن يقال: منها؛ لأن تأويله يكون راجعًا على قوله: ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ على ما نظم، وتتخذون من ثمرات النخيل والأعناب سكرًا.
والعرب تضمر (ما) و (من) كقوله تعالي: وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ (٢) [الإنسان: ٢٠]، وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ (٣) [الصافات: ١٦٤] وذكرنا (٤) هذا قديمًا.
والأعناب عطف على الثمرات لا على النخيل؛ لأنه يصير التقدير: ومن ثمرات الأعناب، والأعناب ثمار، ولكنه ومن الأعناب، وأمَّا السكر
(١) وإلى هذا ذهب الطبري في "تفسيره" ١٤/ ١٣٨، وانظر: "تفسير البغوي" ٥/ ٢٨، وابن عطية ٨/ ٤٥٨، قال البغوي: يعني: ولكم أيضًا عبرة فيما نسقيكم ونرزقكم من ثمرات النخيل والأعناب، تَتَّخِذُونَ مِنْهُ والكناية في مِنْهُ عائدة إلى (ما) محذوفة، أي: ما تتخذون منه سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا.
(٢) قال الفراء: أي ما ثَمَّ رأيت. "معاني القرآن" للفراء ٣/ ٢١٨، وانظر: "الدر المصون" ١٠/ ٦١٤.
(٣) وتقديره عند الكوفيين: وما منا إلا مَنْ له، فحذف الموصول وأبقى الصلة، واباه البصريون؛ لأن الموصول عندهم لا يحذف. انظر: "البيان في غريب إعراب القرآن" ٢/ ٣١٠، و"الفريد في إعراب القرآن" ٤/ ١٤٦.
(٤) ساقطة من (أ)، (د).
فروى سعيد بن جبير وشهر بن حَوْشب وعمرو (١) بن سفيان (٢) عن ابن عباس أنه قال: السَّكَر ما حُرِّم من ثمرتيهما، والرزق الحسن ما أُحلَّ من ثمرتيهما (٣)، وقال في رواية عطاء: سَكَرًا يريد ما أَسْكَر، وهذا قبل أن يحرم الخمر.
وَرِزْقًا حَسَنًا يريد الخَلَّ والزبيب والتمر وكل ما يُتَّخَذ من النخيل والأعناب (٤)، وهذا قول عامة المفسرين؛ قالوا: السكر هي الخمر بعينها،
(٢) عمرو بن سفيان الثقفي، روى عن ابن عباس وابن عمر وعن أبيه رضي الله عنه، وروى عنه الأسود بن فيس، صحح له الحاكم حديثًا في تفسير السَّكر، وضعفه النحاس في معانيه. انظر: "الجرح والتعديل" ٦/ ٢٣٤، و"تهذيب التهذيب" ٣/ ٢٧٣، و"تقريب التهذيب" (٥٠٣٨).
(٣) أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (٢/ ٣٥٧) بنصه، والطبري ١٤/ ١٣٤ بنصه من طرق كثيرة، والجصاص ٣/ ١٨٥، بنحوه، والحاكم: التفسير/ النحل (٢/ ٣٥٥) بنصه وصححه، وورد في "الناسخ والمنسوخ" للنحاس ٢/ ٤٨٥، بنصه، و"معاني القرآن" للنحاس ٤/ ٨١، بنصه، وقال: وهي روايةٌ تضعفُ من جهة عمرو بن سفيان، و"تفسير هود الهواري" ٢/ ٣٧٦، بنصه، والثعلبي ٢/ ١٥٩ أبنصه، و"تفسير الماوردي" ٣/ ١٩٨، بنحوه، وانظر: "تفسير البغوي" ٥/ ٢٩، وابن الجوزي ٤/ ٤٦٤، وابن كثير ٢/ ٦٣٣، و"الدر المنثور" ٤/ ٢٢٨، وزاد نسبته إلى الفريابي وسعيد بن منصور وأبي داود في ناسخه وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.
(٤) أخرجه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص٢٥٢، بنحوه من طريق الحجاج عن ابن جريج صحيحة، ومن طريق أبي طلحة صحيحة والطبري ١٤/ ١٣٤ - ١٣٥ بنحوه من طريق عمرو، ومن طريق أبي طلحة، والجصاص ٣/ ١٨٥، بنحوه من طريق الحجاج، والسمرقندي ٢/ ٢٤١، بمعناه، وانظر:"تفسير ابن عطية" ٨/ ٤٥٨.
والسكر حرام، والرزق الحسن حلال، وقالوا: نزلت هذه قبل تحريم الخمر (١)، ونزل تحريمها في سورة المائدة (٢).
والسَّكَر في اللغة: الخمر (٣)، وقال جرير:
(٢) في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ [المائدة: ٩٠]، وعلى هذا فآية النحل منسوخة بآية المائدة، وهو ما ذهب إليه ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد والحسن والشعبي والنخعي وأبو رَزين وجمهور المفسرين، وقد ردّ هذه الدعوى جماعة من العلماء، وبينوا أن هذا خبر، ولا يجوز فيه النسخ، قال مكي: وقيل: إن هذا لم ينسخ؛ لأن الله لم يأمرنا باتخاذ ذلك، ولا أباحه لنا في هذه الآية، وإنما أخبرنا بما كانوا يصنعون من النخيل من السَّكَر الذي حرَّمه الله في المائدة. ا. هـ. ومن القائلين بعدم النسخ الطبري، لكنه حمل السَّكر على أن معناه: كل ما حلّ شربه، مما يتخذ من ثمر النخل والكرم، وفَسَّد أن يكون معناه الخمر أو ما يُسْكِر من الشراب. انظر: "الناسخ والمنسوخ" لأبي عبيد ص ٢٥٢، و"تفسير الطبري" ١٤/ ١٣٤ - ١٣٦، و"الناسخ والمنسوخ" للنحاس ٢/ ٤٨٦، و"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه" لمكي ص ٣٣١، و"أسباب النزول" للواحدي ص ٢٠٨، و"نواسخ القرآن" لابن الجوزي ص ١٨٦، و"تفسير القرطبي" ١٠/ ١٣٠.
(٣) أصل السَّكر في اللغة: السَّدُّ، ومنه سَكِرَ فلانٌ؛ لأنه سُدَّ عقله ومنع منه، والسَّكَرُ: الخمر نفسها، وكُلّ ما يُسْكِرُ، وقيل: هو شراب يُتخذ من التَّمر والكَشُوث، والسُّكر: حالةٌ تعرض بين المرء وعقله، وأكثر ما يستعمل ذلك في الشراب المُسكرِ، انظر: "تهذيب اللغة" (سكر) ٢/ ١٧٢٠، و"المفردات" ص ٤١٦. و"الأساس" ص ٣٠٢، و"اللسان" (سكر) ٤/ ٢٠٤٧، و"عمدة الحفاظ" ٢/ ٢٣٧ و"التاج" (سكر) ٦/ ٥٣٤، و"متن اللغة" ٣/ ١٧٩.
| إذا رَوِينَ على الخِنْزِيرِ من سَكَرٍ | نادَيْنَ يا أعظمَ القِسِّين جُرْداناَ (١) |
وقال أبو عبيدة بوحده: السَّكَر: الطعام، واحتج بقوله (٤):
جَعَلْتَ أعْرَاضَ الكِرَامِ سَكَرا (٥)
أي جعلتَ ذَمَّهم (٦) طُعْمًا لك (٧).
قال الزجاج: هذا بالخمر أشبَهُ منه بالطعام، المعنى: جعلْتَ تتخمَّرُ بأعراضِ الكرام، وهو أبينُ فيما يقال: يبترك (٨) في أعراض
(٢) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ١٠٩، بلفظه.
(٣) "معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ٢٠٩، بلفظه.
(٤) نسبه في المجاز إلى جندل، وهوابن المثنى الطَّهوي.
(٥) ورد في "تهذيب اللغة" (سكر) ٢/ ١٧٢٠، و"تفسير الزمخشري" ٢/ ٣٣٥، والفخر الرازي ٢٠/ ٦٨، و"اللسان" (سكر) ٤/ ٢٠٤٨، وورد برواية: "جَعَلْتَ عَيْبَ الأكْرمين سكرًا" في "مجازالقرآن" ١/ ٣٦٣، و"تفسير الطبري" ١٤/ ١٣٨، و"معاني القرآن" للنحاس ٤/ ٨٣، و"إعراب القرآن" للنحاس ٢/ ٢٣٨، و"تفسير الثعلبي" ٢/ ١٥٩ ب، والطوسي ٦/ ٤٠١، وابن الجوزي ٤/ ٤٦٤، و"القرطبي" ١٠/ ١٢٩.
(٦) في"معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ٢٠٩: دَمَهُم، ولعل الخطأ من المحقق، والمثبت هو الصحيح المتفق مع المعنى.
(٧) "مجاز القرآن" ١/ ٣٦٣، بنحوه، وورد في "التهذيب" (سكر) ٢/ ١٧٢٠، بنصه، والظاهر أنه نقله من التهذيب.
(٨) يقال: بارك على الشيء: واظب، وأبرك في عدْوه: أسرع مجتهدًا، والاسم: البرُوُك، يقال: ابْتَرك الرجل في عرض أخيه: إذا اجتهد ذمّه وشتمه =
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي