الربع الثاني من الحزب الثامن والعشرين في المصحف الكريم
في بداية هذا الربع، يقرر كتاب الله حقيقة واقعية بالمشاهدة والعيان، لا سبيل إلى إنكارها من أي إنسان، ألا وهي ظاهرة تفاوت الأرزاق فيما بين الناس، فهناك الموسر والمعسر، وهناك الغني والمتوسط والفقير، وهذا التفاوت الحاصل في الأرزاق، لا يخص الأرزاق المادية وحدها، بل يشملها ويشمل الأرزاق المعنوية نفسها، فالمواهب العقلية، والاستعدادات الفكرية، هي أيضا تتفاوت من شخص إلى آخر، وتتفاوت حتى فيما بين أعضاء الأسرة الواحدة، بين الوالد والولد، وبين الإخوة الأشقاء.
وإذا كنا لا ندرك السر في تفضيل بعض الناس على البعض الآخر، لحكمة إلهية خفيت عنا في ذلك، فإننا نستطيع أن نتبين أسباب هذا التفاضل ونعلله بالنسبة لكثير من الحالات الأخرى، التي يكون اختلاف المواهب والاستعدادات فيها من أهم العوامل الظاهرة المؤدية إلى التفاضل في الأرزاق، ولاسيما الأرزاق المادية.
و " المساواة " التي يهدف إليها الإسلام هي عبارة عن المساواة بين الناس في سد حاجياتهم الحيوية، حتى لا يسقط أحد منهم ضحية العوز والحاجة، أما المساواة في الرزق الذي يكتسبه كل إنسان، بمعنى أن يكسب جميع الناس كسبا واحدا، وبمقدار متماثل لا يزيد ولا ينقص بالنسبة لأي فرد، بالرغم من اختلاف مواهبهم، واختلاف كفاءاتهم، واختلاف مهامهم، فهي مجرد حلم من الأحلام، لا تقره طبيعة الأشياء ولا يقره الإسلام، وعلى فرض أننا ساوينا في العطاء والكسب بين شخصين أو أكثر، فإن أحدهما لا يلبث أن يتصرف بمحض إرادته في رزقه تصرفا سليما، فيستثمر ويوفر ويدخر، بينما الآخر يتصرف بمحض إرادته في رزقه تصرفا سقيما، فيسرف ويبذر، وبذلك تعود كفة أحدهما إلى الرجحان على كفة الآخر، ويعود التفاوت بينهما ثانيا إلى ما كان عليه أولا، وإلى وصف هذه الحقيقة الواقعية يشير قوله تعالى : والله فضل بعضكم على بعض في الرزق .
غير أن التفاوت في الرزق وعدم المساواة فيه، وإن كان أمرا مسلما لا يعني احتكاره والانفراد به، وإهمال الآخرين، بل إن سد حاجات المحتاجين من ملبس ومطعم ومسكن حق ثابت لهم، وهم فيه مع غيرهم سواء، وبتمكينهم من نصيبهم في الرزق يتم شكر نعمة الله. وهذا المعنى هو الذي يشير إليه قوله تعالى في نفس السياق : فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم، فهم فيه سواء، أفبنعمة الله يجحدون .
على أن التفاوت بين الناس ليس منحصرا في الأرزاق وحدها، بل هو موجود حتى في أعمارهم وآجالهم، وما يصاحب ذلك من أعراض الشيخوخة والهرم، ففي نهاية الربع الماضي، وقبل الحديث عن التفاوت في الأرزاق في بداية هذا الربع، سبق قول الله تعالى : والله خلقكم ثم يتوفاكم، ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم بعد علم شيئا، إن الله عليم قدير .
فهذه الآية تشير إلى واقع محسوس : أفراد يطول عمرهم حتى يدركهم الهرم، وآخرون يموتون في شرخ الشباب، وأفراد –رغما عن طول عمرهم وهرمهم- يتمتعون بملكاتهم الذهنية إلى آخر رمق، وآخرون يردون إلى " أرذل العمر "، فيفقدون جميع ملكاتهم، أو أكثرها قبل حلول الأجل بزمن طويل، وكما أنه لا سبيل إلى المساواة بين الناس في أعمارهم وآجالهم، فإنه لا سبيل إلى المساواة بينهم في أرزاقهم ومواهبهم، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء .
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري