٣ ينظرون : بمعنى يمهلون.
في الآيات حكاية لما سوف يكون من أمر الكفار يوم القيامة :
ففي ذلك اليوم تقف كل أمة موقف القضاء والمحاسبة، ويؤتى بنبيها شهيدا على ذلك، ولن يؤذن لها بالجدل ولن يقبل منها أعذار. ولسوف يصيرون إلى عذاب شديد ليس إلى تخفيفه عنهم أو تأجيله سبيل. وحينما يرون شركاءهم يهتفون قائلين : ربنا هؤلاء هم الشركاء الذين ضللنا بسببهم، فيكذبهم الشركاء ويجحدونهم، فيقعون حينئذ في الخيبة ويفقدون كل أمل أملوه، ولا يجدون مناصا من الاستسلام والاعتراف بذنوبهم. ولسوف يكون عذاب الذين لا يكتفون بالكفر، بل يحملون غيرهم عليه مضاعفا وزائدا على عذاب عامة الناس ؛ بسبب ما كان منهم من فساد وصدّ عن سبيل الله، وحينما يأتي بشهداء كل أمة يأتي بالنبي صلى الله عليه وسلم شهيدا على أمته أيضا.
وقد انتهت الآيات بالفقرة الأخيرة لبيان مهمة النبي : فالله قد أنزل عليه الكتاب ليكون فيه البيان الشافي لكل أمر، والتوضيح الكافي لكل حد حتى لا يبقى حجة لأحد ولا معذرة ؛ وليكون فيه الهدى والرحمة والبشرى للمسلمين.
والآيات معقبة على سابقاتها والاتصال بالسياق قائم. وقد استهدفت فيما استهدفته إنذار الكفار وتخويفهم وحملهم على الارعواء. وكثير مما جاء فيها قد ورد في آيات أخر في سور سبق تفسيرها. ومع واجب الإيمان بالمشهد الأخروي الموصوف فيها صورة القضاء والمحاسبة والشهود هي من مألوفات الدنيا. وقد يكون من حكمة ذلك قصد التقريب والتمثيل على ما نبهنا عليه في المناسبات العديدة المماثلة.
ولقد روى الطبري عن مجاهد في سياق جملة : زدناهم عذابا فوق العذاب ، أن الله تعالى يسلط عليهم حيات أمثال البخت، وعقارب أمثال البغال الدهم، ولم يرد هذا في أحاديث صحيحة. والأولى الوقوف عند مدى العبارة القرآنية، وهو أن الصادين عن سبيل الله سيكون عذابهم زائدا على غيرهم.
تعليق على جملة : ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين
وقد يرد أن ما نزل من القرآن بعد هذه السورة شيء كثير، وفيه كثير من التشريعات والتلقينات والمبادئ والأحداث، فكيف يصح أن تذكر الفقرة الأخيرة أن في الكتاب الذي قد يعني ما نزل منه إلى هذه السورة تبيانا لكل شيء. وليس في هذا الوارد شيء، ففي ما أنزل الله قبل هذه الآية من الأسس والمبادئ والتلقينات والمواعظ والبراهين على وجوب وجوده ووحدانيته واستحقاقه وحده للخضوع ما يصح أن يقال : إنه تبيان لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمؤمنين. والكتاب كما يطلق على ما نزل من القرآن إلى هذه الآية يطلق على مجموعه. والله عليم بما سوف ينزل بعدها، وليس في علم الله سابق ولاحق حتى يصح ذلك الوارد.
هذا، ونقول في نفس الجملة : إن الذي يقرأ القرآن بتدبر وإمعان، وتكون عنده رغبة صادقة في الحق، ولا يكون مبيتا للمكابرة والعناد، ومتمحلا بتمحلات سطحية وشكلية وثانوية إزاء بعض التعبيرات والصور القرآنية المتشابهة مما قد لا يدرك حكمتها العقول العادية، يظهر على صدق التقرير الذي احتوته، حيث يجد فيه حقا كل هدى ورحمة وبشرى وتبيان. ويرى في ذلك أعظم نعمة أنعمها الله على بني آدم، ويرى من تمام هذه النعمة أن حفظه الله كما بلغه رسوله، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه [ فصلت : ٤٢ ] ؛ ليظل دائما المورد الصافي الذي يجد فيه كل الناس في كل زمان الشفاء والهدى والرحمة والبشرى والبيان الواضح، وكل ما فيه صلاح ونجاة وسعادة البشر في الدنيا والآخرة من أسس ومبادئ وتشريعات وتلقينات وأحكام، وكل ما فيه حل لكل مشاكل الإنسان الروحية والاجتماعية والاقتصادية في كل مكان وكل زمان وظرف. ولقد انطوى في الجملة في الوقت نفسه دعوة لكل الناس في كل زمان ومكان للنظر فيه ؛ ليجدوا ذلك. ولقد أوّل جمهور المفسرين ١ جملة : تبيانا لكل شيء ، بمعنى : بيان ما الناس في حاجة إليه من طرق الهدى والضلال والخير والشر والحلال والحرام والحق والباطل والحدود والأحكام. وفي هذا من الوجاهة ما يتسق مع أهداف القرآن، وما لا يتعارض مع ما ذكرناه آنفا. وعلى كل حال فمن الواجب أن تبقى الجملة في هذا النطاق، مع عدم فصلها عما سبقها ولحق بها، وعدم الخروج بها إلى قصد تبيان نظريات الكون ونواميسه وموجوداته وأحداثه مما يحاوله بعض المسلمين استنباطا من إشارات القرآن الوعظية والتمثيلية والتذكيرية ؛ لأن في هذا كثيرا من التمحل، كما فيه إخراج للقرآن عن قدسيته وأهدافه السامية.
التفسير الحديث
دروزة