ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣ

قوله تعالى- : وَلاَ تتخذوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ الآية، لما حذر في الآية الأولى عن نقض العهود والأيمان مطلقاً، قال في هذه الآية : وَلاَ تتخذوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ وليس المراد منه التَّحذير عن نقض مطلق الأيمان، وإلاَّ لزم التكرار الخالي عن الفائدة في موضع واحد، بل المراد نهي أولئك الأقوام المخاطبين بهذا الخطاب عن بعض أيمان مخصوصة أو أقدموا عليها.
فلهذا قال المفسرون : المراد : نهي الذين بايعوا الرسول - صلوات الله وسلامه عليه - عن نقض عهده ؛ لأن قوله : فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا لا يليق بنقض عهد قبله، وإنما يليق بنقض عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإيمان به وبشرائعه.
وقوله - تعالى- : فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا منصوب بإضمار " أنْ " على جواب النهي.
وهذا مثل يذكر لكل من وقع في بلاءٍ بعد عافيةٍ، أو سقط في ورطة بعد سلامة، أو محنة بعد نعمة.
قوله : بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ الله ، " مَا " : مصدرية، و " صَددتُّمْ " : يجوز أن يكون من الصُّدود، وأن يكون من الصدِّ، ومفعوله محذوف، ونكِّرت " قدم " ، قال الزمخشري :" فإن قلت : لِمَ وحِّدث القدم ونكِّرت ؟.
قلت : لاستعظام أن تزلَّ قدم واحدة عن طريق الحقِّ بعد أن ثبتت عليه، فكيف بأقدام كثيرة ؟ ".
قال أبو حيَّان١ :" الجمع تارة يلحظ فيه المجموع من حيث هو مجموع، وتارة يلحظ فيه اعتبار كل فرد فرد، فإذا لوحظ فيه المجموع، كان الإسناد معتبراً فيه الجمعيَّة، وإذا لوحظ فيه كل فردٍ فردٍ، فإنَّ الإسناد مطابق للفظ الجمع كثيراً، فيجمع ما أسند إليه، ومطابق لكل فردٍ فرد فيفرد ؛ كقوله : وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئاً وَآتَتْ [ يوسف : ٣١ ]، لما كان لوحظ في قوله :" لَهُنَّ " معنى لكل واحدة، ولو جاء مراداً به الجمعيَّة، أو على الكثير في الوجه الثاني، لجمع المتَّكأ ؛ وعلى هذا يحمل قول الشاعر :[ الطويل ]

فإنِّي رأيْتُ الضَّامرينَ مَتاعهُمْ يَموتُ ويَفْنَى فَارضِخِي مِنْ وِعَائيَا٢
أي : رأيت كلَّ ضامرٍ، ولذلك أفرد الضمير في " يَموتُ ويَفْنَى "، ولمَّا كان المعنى : لا يتخذ كل واحدٍ منكم جاء " فتَزلَّ قدَمٌ " مراعاةً لهذا المعنى.
ثم قال :" وتَذُوقُوا السوء "، مراعاة للمجموع أو للفظ الجمع على الوجه الكثير، إذا قلنا : إنَّ الإسناد لكل فرد فرد، فتكون الآية قد تعرَّضت للنَّهي عن اتِّخاذ الأيمان دخلاً باعتبار المجموع، وباعتبار كل فرد فرد، ودلَّ على ذلك بإفراد " قَدمٌ "، وبجمع الضمير في " وتَذُوقُواْ ".
قال شهاب الدين٣ - رضي الله عنه - : وبهذا التقدير الذي ذكره أبو حيان يفوت المعنى الجزل الذي اقتنصه الزمخشري من تنكير " قَدمٌ " وإفرادها، وأمَّا البيت المذكور، فإن النحويين خرَّجوه على أن المعنى : يَموتُ من ثم ومن ذكر، وأفرد الضمير لذلك لا لما ذكر.

فصل


المعنى : وتذوقوا العذاب بصدِّكم عن سبيل الله، وقيل : معناه : سهَّلتم نقض العهد على النَّاس بنقضكم العهد، وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ، أي : ذلك السوء الذي تذوقونه " عَذابٌ عَظيمٌ ".
ثم أكَّد هذا التَّحذير فقال - جل ذكره- :
١ ينظر: البحر المحيط ٥/٥١٥..
٢ ينسب البيت إلى منظور الدبيري، ويروى:
فإني رأيت الباخلين متاعهم يذم ويفنى فارضخي من وعائيا
ينظر: اللسان (حظل)، أمالي المرتضى ٢/١٥٩، الدر اللقيط ٥/٥٣٢، البحر المحيط ٥/٥١٦، الألوسي ١٤/٢٢٤، الدر المصون ٤/٣٥٦..

٣ ينظر: الدر المصون ٤/٣٥٧..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية