ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣ

ولا تتخذوا أيمانكم دَخَلاً بينكم ، كرره تأكيدًا ؛ مبالغة في قبح المنهي عنه من نقض العهود، فتزِلَّ قدمٌ ، عن محجة الإسلام، بعد ثُبوتها : استقامتها عليه، والمراد : أقدامهم، وإنما وُحد ونُكِّر ؛ للدلالة على أن زلل قدم واحد عظيم، فكيف بأقدام كثيرة ؟ وتذوقوا السُّوءَ : العذاب في الدنيا، بما صددتم عن سبيل الله ، أي : بصدكم عن الوفاء بعهد الله، أو بصدكم غيركم عنه ؛ فإن من نقض البيعة، وارتد، جعل ذلك سُنَّة لغيره، ولكم عذابٌ عظيم في الآخرة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : الوفاء بالعهود، والوقوف مع الحدود، من شأن الصالحين الأبرار، كالعباد والزهاد، والعلماء الأخيار. وأما أهل الفناء والبقاء من العارفين : فلا يقفون مع شيء، ولا يعقدون على شيء، هم مع ما يبرز من عند مولاهم في كل وقت وحين، ليس لهم عن أنفسهم إخبار، ولا مع غير الله قرار. يتلونون مع المقادير كيفما تلونت، وذلك من شدة قربهم وفنائهم في ذات مولاهم. قال تعالى : كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [ الرحمن : ٢٩ ]، فهم يتلونون مع الشؤون البارزة من السر المكنون ؛ فمن عقد معهم عقدًا، أو أخذ منهم عهدًا، فلا يعول على شيء من ذلك ؛ إذ ليست أنفسهم بيدهم، بل هي بيد مولاهم. وليس ذلك نقصًا في حقهم، بل هو كمال ؛ لأنه يدل على تغلغلهم في التوحيد حتى هدم عزائمهم، ونقض تدبيرهم واختيارهم. ولا يذوق هذا إلا من دخل معهم، وإلاَّ فحسبه التسليم، وطرح الميزان عنهم، إن أراد الانتفاع بهم. والله تعالى أعلم.


البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير