المعنى الجملي : بعد أن أبان سبحانه أن القرآن معجز دالّ على صدق الرسول بقوله : قل لئن اجتمعت الإنس والجن [ الإسراء : ٨٨ ] الآية، ثم حكى عن الكفار أنهم لم يكتفوا بهذا المعجز، بل طلبوا معجزات أخرى، وأجابهم ربهم بأنه لا حاجة إلى شيء سواه، وبأن موسى أتى فرعون وقومه بتسع آيات فجحدوا بها فأهلكوا فلو أتاكم محمد صلى الله عليه وسلم بتلك المعجزات التي اقترحتموها ثم كفرتم بها أنزل عليكم عذاب الاستئصال ولم يكن ذلك من الحكمة التي أرادها، لعلمه أن منكم من يؤمن ومنكم من لا يؤمن، ولكن سيظهر من نسله من يكون مؤمنا – عاد هنا إلى تعظيم حال القرآن وجلالة قدره، وبيان أنه هو الثابت الذي لا يزول، وأنه أنزله على نبيه مفرقا ليسهل حفظه وتعرف دقائق أسراره، وأنكم سيان آمنتم به أو لم تؤمنوا، فإن من قبلكم من أهل الكتاب إذا تلي عليهم خروا سجدا وبكيا، ثم أردف ذلك ببيان أنكم إن ناديتم الله أو ناديتم الرحمان فالأمران سواء ثم قفى على ذلك بطلب التوسط في القراءة في الصلاة بين الجهر والخفوت، ثم أمر نبيه أن يقول حين الدعاء : الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا.
أخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس قال : صلى صلوات الله عليه بمكة ذات يوم، فدعا الله تعالى فقال في دعائه :" يا الله يا رحمن ". فقال المشركون : انظروا إلى هذا الصابئ، ينهانا أن ندعو إلهين وهو يدعو إلهين فنزل قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمان الآية.
وعن الضحاك أنه قال : قال أهل الكتاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إنك لتقل ذكر الرحمان وقد أكثر الله في التوراة هذا الاسم فنزلت.
ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا أي ويخرّون للأذقان باكين من خشية الله إذا يتلى عليهم، ويزيدهم ما فيه من العبر والمواعظ خشوعا وخضوعا لأمره وطاعته.
وقد جاء في مدح البكاء من خشية الله أخبار كثيرة ؛ فقد روى الترمذي عن ابن عباس قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" عينان لا تمسّهما النار، عين بكت من خشية الله تعالى، وعين باتت تحرس في سبيل الله تعالى ".
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وغيرهما عن عبد الأعلى التميمي أنه قال إن من أوتي من العلم ما لم يبكه لخليق أن قد أوتي من العلم ما لا ينفعه، لأن الله تعالى نعت أهل العلم فقال ويخرون للأذقان يبكون .
تفسير المراغي
المراغي