المعنى الإجمالي :
في ختم السورة وضحت الآيات سمو القرآن وجلالة قدره، وبينت : أنه هو الثابت الذي لا يزول، وأنه نزل مفرقا ؛ ليسهل حفظه، ولتثبت أحكامه وأسراره، ثم هونت الآيات من شأن المعاندين ووبختهم واحتقرتهم، وبينت : أن كفرهم لا ينقص من قيمة القرآن، فسيان إيمانهم به ووعد إيمانهم، فإن الذين أوتوا العلم من أهل الكتاب كانوا لا يتمالكون أنفسهم إذا سمعوا القرآن أن يخروا لله ساجدين، يغمرهم التأثر والبكاء.
ثم أردفت الآيات ببيان أنكم إن ناديتم الله أو الرحمان فالأمر سواء، وأمرت الرسول أن يتوسط في صلاته بين الجهر والخفوت وختمت الصورة كما بدأت بحمد الله وتقرير وحدانيته بلا ولد ولا شريك، وتنبيهه عن الحاجة إلى الولي والنصير، وهو العلي الكبير، فيلخص الختام محور السورة التي دارت عليه والذي بدأت به ثم ختمت به.
١٠٩- ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا .
ويخر هؤلاء الذين أوتوا العلم على الوجوه سجدا، باكين من خوف الله، ويزيدهم ما في القرآن من المواعظ والعبر خشوعا وخضوعا لأمر الله وطاعته.
إنه مشهد مصور لحالة شعورية غامرة، يرسم تأثير هذا القرآن في القلوب المتفتحة لاستقبال فيضه ؛ العارفة بطبيعته وقيمته بسبب ما أوتيت من العلم قبله١.
قال النسفي : ومعنى الخرور للذقن : السقوط على الوجه كما خص الذقن، لأن أقرب الأشياء من وجهه إلى الأرض عند السجود الدقن.
وفي حاشية الجمل : فالخرور الأول للسجود، والآخر لشدة البكاء. أو الأول : في حالة سماع القرآن أو قراءته، والثاني : في سائر الحالات٢ أو المراد : أن السجود يتكرر منهم في حالات متعددة ؛ خشوعا لله واعترافا بفضله.
تنبيه :
قال القاسمي :
دل نعت هؤلاء ومدحهم بخرورهم باكين ؛ على استحباب البكاء والتخشع، فإن كل ما حمد فيه من النعوت والصفات التي وصف الله تعالى بها من أحبه من عباده، يلزم الاتصاف بها، كما أن ما ذم منها من مقته منهم، يجب اجتنابه٣.
وقد ذكر الإمام الغزالي في ( الإحياء ) : أن من آداب التلاوة البكاء مستحب مع القراءة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( اتلوا القرآن وابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا )٤. وقال ابن عباس رضي الله عنهما : إذا قرأتم سجدة سبحان ؛ فلا تجلوا بالسجود حتى تبكوا، فإن لم تبك عين أحدكم ؛ فليبك قلبه، وإنما طريق تكلف البكاء أن يحضر قلبه الحزن. فمن الحزن ينشأ البكاء، ووجه إحضار الحزن، أن يتأمل ما فيه من التهديد والوعيد، والمواثيق والعهود، ثم يتأمل تقصيره في أوامره وزواجره، فيحزن لا محالة ويبكي. فإن لم يحضره ؛ حزن وبكاء، كما يحضر أرباب القلوب الصافية، فليبك على فقد الحزن والبكاء فإن ذلك أعظم المصائب.
وقد روى البخاري : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( ليس منا من لم يتغن بالقرآن )٥.
وروى الترمذي عن ابن عباس : قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :( عينان لا تمسهما النار، عين بكت من خشية الله تعالى، وعين باتت تحرس في سبيل الله تعالى )٦.
وأخرج مسلم والنسائي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع، ولا اجتمع على عبد غبار في سبيل الله ودخان جهنم )٧.
٢ - حاشية الجمل على الجلالين ٢/٦٥٤..
٣ - تفسير القاسمي ١٠/٤٠١٠..
٤ - فإن لم تبكوا فتباكوا:
رواه ابن ماجة في إقامة الصلاة (١٣٣٧) من حديث عبد الرحمان بن السائب قال: قدم علينا سعد بن أبي الوقاص وقد كف بصره فسلمت عليه قال: من أنت؟ فأخبرته فقال: مرحبا بابن أخي بلغني أنك حسن الصوت بالقرآن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن هذا القرآن نزل بحزن فإذا قرأتموه فابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا فتغنوا به فمن لم يتغن به؛ فليس منا)..
٥ - ليس منا من لم يتغن بالقرآن:
رواه البخاري في التوحيد (٧٥٢٧) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس منا من لم يتغن بالقرآن) وزاد غيره: (يجهر به). ورواه أبو داود في الصلاة (١٤٧١، ١٤٦٩) والدارمي في الصلاة (١٤٩٠) وفي فضائل القرآن (٣٤٨٨) وأحمد في مسنده (١٤٧٩) من حديث سعد بن أبي وقاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ليس منا من لم يتغن بالقرآن)..
٦ - عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله:
رواه الترمذي في فضائل الجهاد (١٦٣٩) وقال: حديث ابن عباس حديث حسن لا نعرفه إلا من حديث شعيب بن زريق. قلت: شعيب هذا، ضعّفه بعضهم..
٧ - لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن:
رواه الترمذي في فضائل الجهاد (١٦٣٣) وفي الزهد (٢٣١١) والنسائي في الجهاد (٣١٠٨) وأحمد في مسنده (١٠١٨٢) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى اللهم علي وسلم: (لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم)..
تفسير القرآن الكريم
شحاته