المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه ما أكرم به من اصطفاه من النبيين والمرسلين، فأكرم محمدا صلى الله عليه وسلم بالإسراء، وأكرم موسى بالتوراة، وجعلها هدى لبني إسرائيل، ثم بين أنهم لم يعملوا بها فحل بهم عذاب الدنيا والآخرة – قفى على ذلك بالثناء على القرآن الكريم وبيان أنه يهدي للصراط المستقيم، ويبشر الصالحين بالأجر والثواب العظيم، وينذر الكافرين بالعذاب الأليم، ثم أردف ذلك بذكر طبيعة الإنسان وأنه خلق عجولا، قد يدعو على نفسه بالشر أي بالموت والهلاك، والدمار واللعنة كما يدعو لنفسه بالخير.
وبعد أن بين حال الهادي وهو الكتاب الكريم بين حال المهدي وهو الإنسان فقال :
ويدعو الإنسان بالشر دعاءه بالخير أي يدعو الإنسان على نفسه وولده وماله بالشر حين الغضب فيقول : اللهم العني اللهم أهلكني، كدعائه ربه بالخير أي بأن يهب له العافية ويرزقه السلامة، ولو استجيب له في دعائه بذاك كما يستجاب له في هذا لهلك، ولكن الله بفضله ومنته لا يستجيب دعاءه كما قال : ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم [ يونس : ١١ ] وفي الحديث :" لا تدعوا على أنفسكم ولا على أموالكم أن توافقوا من الله ساعة إجابة يستجيب فيها ".
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم دفع إلى سودة بنت زمعة أسيرا فأقبل يئن بالليل، فقالت له مالك تئن فشكا ألم القدّ ( سير من جلد غير مدبوغ تربط به يدا الأسير ورقبته ) فأرخت له من كثافه، فلما نامت أخرج يده وهرب، فلما أصبح النبي صلى الله عليه وسلم دعابه فأعلم بشأنه، فقال عليه الصلاة والسلام :" اللهم اقطع يدها " فرفعت سودة يدها يتوقع أن يقطع الله يدها، فقال صلى الله عليه وسلم :" إني سألت الله أن يجعل دعائي على من لا يستحق عذابا من أهلي رحمة، لأني بشر أغضب كما تغضبون، فلتردّ سودة يدها ".
وقد يكون المعنى في الآية : إن الإنسان قد يبالغ في الدعاء طلبا لشيء يعتقد أن فيه خيره، مع أن ذلك قد يكون سبب بلائه وشره لجهله بحاله، وإنما يقدم على ذلك العمل لكونه عجولا مغترا بظواهر الأمور، غير متفحص لحقائقها وأسرارها، ومن ثم قال :
وكان الإنسان عجولا يسارع إلى طلب كل ما يخطر بباله متعاميا عن ضرره. وفي الآية إيماء إلى أن القرآن يدعو للتي هي أقوم، ويأبون إلا التي هي ألوم.
تفسير المراغي
المراغي