ﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙ

( ٢ ) لم يكن له ولي من الذلّ : ليس محتاجا إلى نصير قد يحتاج إليه الإنسان إذ خشي الذل.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: قُلِ ادْعُواْ اللّهَ أَوِ ادْعُواْ الرحمان أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى ولاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ ولاَ تُخَافِتْ بِهَا وابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً ١١٠ وقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ ولَمْ يَكُن لَّهُ ولِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا ١١١ [ ١١٠ ـ ١١١ ]
الآيات تأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يقول للناس ادعوا الله أو ادعوا الرحمن فجميع الأسماء الحسنى له وحده، وبأن تكون صلاته إليه صلاة خشوع ووقار وبين الجهر والإسرار، وبأن يعلن حمده وتكبيره له، فهو صاحب الملك الشامل الذي تنزه عن الولد والشريك المستغني عن الأولياء الذين يتخذهم الناس إذا ما خشوا البغي والذل. وقد جاءت الآيات في الوقت ذاته خاتمة قوية للسورة.
ولقد روى المفسرون روايات عديدة كسبب لنزول الآيات، أو الآية الأولى بخاصة. فرووا أن الفقرة الأولى منها نزلت بسبب قول اليهود للنبي : إنك تقلل من ذكر الرحمان في القرآن، مع أن هذا الاسم كثير الورود في التوراة. ورووا مع ذلك أنها نزلت بسبب قول الكفار أو بعض زعمائهم : بأن محمدا يزعم أنه يدعو إلى إله واحد وهو يذكر الله والرحمن. ولا نعرف الرحمن إلاّ رحمن اليمامة. ورووا أن فقرتها الثانية نزلت ؛ لأن الكفار كانوا حينما يسمعون القرآن من النبي يسبون القرآن ومن أنزله فأمر النبي فيها بالتوسط بين الجهر حتى لا يسمعه الكفار ولا يخافت ليسمعه المسلمون. وفي هذا حديث رواه البخاري والترمذي عن ابن عباس١. ومع هذا فرووا عن ابن عباس أيضا أن النهي عن الجهر حتى لا يكون فيه مراءات للناس، وعن الإسرار والخفت حتى لا يكون فيه خوف من الناس. ورووا عن عائشة ومجاهد أن الصلاة في الفقرة بمعنى الدعاء، وأن بعض الأعراب كانوا إذا دعوا الله رفعوا أصواتهم فنهوا عن ذلك. ورووا أن أبا بكر كان يخفض صوته وعمر يرفعه في القراءة فقيل لهما في ذلك فقال الأول : أناجي ربي. وقال الثاني : أطرد الشيطان وأوقظ الوسنان فنزلت الآية الأولى.
والروايات تقتضي أن تكون كل فقرة من فقرتي الآية الأولى نزلت لحدتها، وأن تكون نزلت منفصلة عن ما سبقها وما لحقها. والرواية المروية عن اليهود تقتضي أن تكون الآية مدنية. ورواية منع الجهر بالقرآن تفاديا عليهم في كل موقف من مواقف دعوته، وهذا من أسس مهمته. ومأمور به في آيات عديدة منها آيات في سورة النمل التي مرّ تفسيرها وهي [ ٩١ ـ ٩٢ ] ولم يمتنع من ذلك قط، وكان يقابل بقولهم إن هذا إلاّ أساطير الأولين. كما حكته آيات عديدة مرّ بعضها في السور التي فسرناها سابقا. وفي سورة الحج آية مهمة فيها حكاية موقف تهديدي للنبي ورد عليه بتهديد رهيب وهي هذه وإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكُمُ النَّارُ وعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وبِئْسَ الْمَصِيرُ ٧٢ ثم استمر في تلاوة آيات القرآن بدون مبالاة تنفيذا لأمر ربه ومهمته منذرا حينا، منددا حينا، مقرعا حينا، مفصلا داعيا مبشرا حينا بدون انقطاع كما هو المستفاد من السور المكية جميعها بحيث يكون في كل ذلك دلالة حاسمة.
ويتبادر لنا بالنسبة للفقرة الأولى من الآية الأولى أنه كان في نفوس بعض المسلمين بعض التردد في صيغة دعاء الله تعالى وفيما إذا كان يجوز أن يذكر اسم الرحمن في مقام كلمة ( الله ) فأريد بها بيان ما هو جوهري في الأمر وهو الإخلاص لله والاتجاه له وحده. فله أحسن الأسماء، وبأيّها دعاه المخلص أجزأه. ويتبادر لنا بالنسبة للفقرة الثانية أن النبي صلى الله عليه وسلم صار يخفت في قراءته اتباعا لنهي آية سورة الأعراف هذه واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول فشكى المسلمون من عدم سماعهم القرآن منه فأمر في هذه الفقرة بالتوسط بين الجهر وخفت الصوت. هذا مع التنبيه إلى أننا نرجح أن الآية الأولى نزلت مع الآية الثانية، وأن الآيتين استمرار للسياق السابق، وكل ما في الأمر أن أولاهما تضمنت جوابا على ما كان يسأله أو يحتار فيه المسلمون، والله أعلم.


التفسير الحديث

عرض الكتاب
المؤلف

دروزة

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير