قلت : دعاءه : مفعول مطلق. والإضافة في قوله : آية الليل و آية النهار : بيانية، أي : فمحونا الآية التي هي الليل، وجعلنا الآية التي هي النهار مبصرة. وإذا أريد بالآيتين الشمس والقمر ؛ تكون للتخصيص، أي : وجعلنا نيري الليل والنهار آيتين، أو : وجعلنا الليل والنهار ذوي آيتين... الخ، و كل شيء : منصوب بفعل مضمر، يفسره ما بعده، وكذا : وكل إنسان و يلقاه منشورًا : صفتان لكتاب.
ولذا قال تعالى إثره : وجعلنا الليلَ والنهارَ آيتين دالتين على كمال قدرتنا، وباهر حكمتنا، يتعاقبان على الإنسان، يُقربان له كل بعيد، ويأتيان له بكل موعود. فمحونا آيةَ الليل أي : فمحونا الآية التي هي الليل ؛ بأن جعلناها مظلمة، لتسكنوا فيه، وجعلنا آية النهار مُبصرةً أي : مضيئة مشرقة لتبتغوا ؛ من فضله، أو : وجعلنا نيري الليل والنهار آيتين، وهما : الشمس والقمر، فمحونا آية الليل ، وهو القمر ؛ بأن جعلناه أطلس، لا نور فيه من ذاته، بل نوره مستمد من نور الشمس، وجعلنا آية النهار ، وهي الشمس مبصرةً للناس، أو مبصرًا فيها بالضوء الذاتي، لتبتغوا فضلاً من ربكم ؛ لتطلبوا في بياض النهار أسباب معاشكم، ولتعلموا ؛ باختلافهما وبحركتهما، عددَ السنينَ والحسابَ ؛ وحساب الأوقات من الأشهر والأيام، في معاملتكم وتصرفاتكم، وكلَّ شيء تفتقرون إليه في أمر الدين والدنيا فصَّلناه تفصيلاً ؛ بيَّناه تبيينًا لا لبس فيه، أو : وكل شيء يظهر في الوجود، فصّلناه وقدّرناه في اللوح المحفوظ تفصيلاً، فلا يظهر في عالم الشهادة إلا ما فُصل في عالم الغيب.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي