قوله تعالى : وَجَعَلْنَا الَّيْلَ وَالنَّهَارَ ءَايَتَيْنِ فَمَحَوْنَآ ءَايَةَ الَّيْلِ وَجَعَلْنَآ ءَايَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً . ذكر جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة : أنه جعل الليل والنهار آيتين. أي علامتين دالتين على أنه الرب المستحق أن يعبد وحده، ولا يشرك معه غيره. وكرر تعالى هذا المعنى في مواضع كثيرة. كقوله تعالى : وَمِنْ ءَايَاتِهِ الَّيْلُ وَالنَّهَارُ [ فصلت : ٣٧ ]، وقوله : وَءَايَةٌ لَّهُمُ الَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ [ يس : ٣٧ ]، وقوله تعالى : إِنَّ في اخْتِلَافِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ في السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ [ يونس : ٦ ]، وقوله : إِنَّ في خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلَافِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأوْلِي الألْبَابِ [ آل عمران : ١٩٠ ]، وقوله : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِى فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ إلى قوله لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [ البقرة : ١٦٤ ]، وقوله : وَهُوَ الَّذِي يُحَيي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ [ المؤمنون : ٨٠ ]، وقوله : وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً [ الفرقان : ٢٦ ]، وقوله : خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ الَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى الَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِى لأجَلٍ مُّسَمًّى أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ [ الزمر : ٥ ]، وقوله : فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ الَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً ذالِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ، وقوله وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا وَالَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا [ الشمس : ١-٤ ] الآية، وقوله وَالَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى [ الليل : ١-٢ ]، وقوله : وَالضُّحَى وَالَّيْلِ إِذَا سَجَى [ الضحى : ١-٢ ] الآية، إلى غير ذلك من الآيات.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : فَمَحَوْنَآ ءَايَةَ الَّيْلِ وَجَعَلْنَآ ءَايَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ [ الإسراء : ١٢ ] يعني أنه جعل الليل مظلماً مناسباً للهدوء والراحة، والنهار مضيئاً مناسباً للحركة والاشتغال بالمعاش في الدنيا ؛ فيسعون في معاشهم في النهار، ويستريحون من تعب العمل بالليل. ولو كان الزمن كله ليلاً لصعب عليهم العمل في معاشهم، ولو كان كله نهاراً لأهلكهم التعب من دوام العمل.
فكما أن الليل والنهار آيتان من آياته جلَّ وعلا، فهما أيضاً نعمتان من نعمه جلَّ وعلا.
وبين هذا المعنى المشار إليه هنا في مواضع أخر، كقوله : قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَآءٍ أَفَلاَ تَسْمَعُون َقُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفلاَ تُبْصِرُونَ وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [ القصص : ٧١-٧٣ ].
فقوله : لِتَسْكُنُواْ فِيهِ أي في الليل. وقوله : وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ أي في النهار وقوله : وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتا ًوَجَعَلْنَا الَّيْلَ لِبَاساً وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً [ النبأ : ٩-١١ ] الآية، وقوله وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ لِبَاساً وَالنَّوْمَ سُبَاتاً وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُوراً [ الفرقان : ٤٧ ] وقوله : وَمِنْ ءايَاتِهِ مَنَامُكُم بِالَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَآؤُكُمْ مِّن فَضْلِهِ [ الروم : ٢٣ ] الآية، وقوله : وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِالَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ [ الأنعام : ٦٠ ] إلى غير ذلك من الآيات.
وقوله في هذه الآية الكريمة : وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ بين فيه نعمة أخرى على خلقه، وهي معرفتهم عدد السنين والحساب ؛ لأنهم باختلاف الليل والنهار يعلمون عدد الأيام والشهور والأعوام، ويعرفون بذلك يوم الجمعة ليصلوا فيه صلاة الجمعة، ويعرفون شهر الصوم، وأشهر الحج، ويعلمون مضي أشهر العدة لمن تعتد بالأشهر المشار إليها في قوله : وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَآئِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّاتِي لَمْ يَحِضْنَ [ الطلاق : ٤ ]، وقوله : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا [ البقرة : ٢٣٤ ]. ويعرفون مضي الآجال المضروبة للديون والإجارات، ونحو ذلك.
وبين جلَّ وعلا هذه الحكمة في مواضع أخر، كقوله : هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَآءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذالِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [ يونس : ٥ ] ؛. وقوله جلَّ وعلا : يَسْألُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هي مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ [ البقرة : ١٨٩ ]، إلى غير ذلك من الآيات.
وقوله جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة : فَمَحَوْنَآ ءَايَةَ الَّيْلِ وَجَعَلْنَآ ءَايَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً [ الإسراء : ١٢ ] فيه وجهان من التفسير للعلماء :
أحدهما أن الكلام على حذف مضاف، والتقدير : وجعلنا نرى الليل والنهار، أي الشمس والقمر آيتين.
وعلى هذا القول فآية الليل هي القمر، وآية النهار هي الشمس. والمحو الطمس. وعلى هذا القول فمحو آية الليل قيل معناه السواد الذي في القمر. وبهذا قال علي رضي الله عنه، ومجاهد، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما.
وقيل : معنى فَمَحَوْنَآ ءَايَةَ الَّيْلِ [ الإسراء : ١٢ ] أي لم نجعل في القمر شعاعاً كشعاع الشمس ترى به الأشياء رؤية بينة. فنقص نور القمر عن نور الشمس هو معنى الطمس على هذا القول.
وهذا أظهر عندي لمقابلته تعالى له بقوله : وَجَعَلْنَآ ءَايَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً [ الإسراء : ١٢ ] والقول بأن معنى محو آية الليل : السواد الذي في القمر ليس بظاهر عندي وإن قال به بعض الصحابة الكرام، وبعض أجلاء أهل العلم !
وقوله : وَجَعَلْنَآ ءَايَةَ النَّهَارِ على التفسير المذكور أي الشمس مُبْصِرَةً أي ذات شعاع يبصر في ضوئها كل شيء على حقيقته.
قال الكسائي : هو من قول العرب : أبصر النهار : إذا أضاء وصار بحالة يبصر بها نقله عنه القرطبي.
قال مقيده عفا الله عنه : هذا التفسير من قبيل قولهم : نهاره صائم، وليله قائم. ومنه قوله :
| لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى | ونمت وما ليل المحب بنائم |
| وما يلي المضاف يأتي خلفا | عنه في الإعراب إذا ما حذفا |
وعلى القول بتقدير المضاف، وأن المراد بالآيتين الشمس والقمر فالآيات الموضحة لكون الشمس والقمر آيتين تقدمت موضحة في سورة النحل.
الوجه الثاني من التفسير أن الآية الكريمة ليس فيها مضاف محذوف، وأن المراد بالآيتين نفس الليل والنهار، لا الشمس والقمر.
وعلى هذا القول فإضافة الآية إلى الليل والنهار من إضافة الشيء إلى نفسه مع اختلاف اللفظ، تنزيلاً لاختلاف اللفظ منزلة الاختلاف في المعنى. وإضافة الشيء إلى نفسه مع اختلاف اللفظ كثيرة في القرآن وفي كلام العرب. فمنه في القرآن قوله تعالى : شَهْرُ رَمَضَانَ [ البقرة : ١٨٥ ]، ورمضان هو نفس الشهر بعينه على التحقيق، وقوله : وَلَدَارُ الآخِرَةُ [ يوسف : ١٠٩ ]، والدار هي الآخرة بعينها ؛ بدليل قوله في موضع آخر : وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ [ الأنعام : ٣٢ ] الآية بالتعريف، والآخرة نعت للدار ؛ وقوله : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ ق : ١٦ ] والحبل هو الوريد، وقوله : وَمَكْرَ السَّيِّئ ، [ فاطر : ٣٢ ] الآية، والمكر هو السيئ بدليل قوله وَلاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّىءُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ [ فاطر : ٤٣ ].
ومن أمثلته في كلام العرب قول امرئ القيس :
| كبكر المقاناة البياض بصفرة | غذاها نمير الماء غير المحلل |
| ومشك سابغة هتكت فروجها | بالسيف عن حامي الحقيقة معلم |
وقد أوضحنا هذه المسألة في كتابنا ( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ) في سورة فاطر. وبينا أن الذي يظهر لنا : أن إضافة الشيء إلى نفسه مع اختلاف لفظ المضاف والمضاف إليه أسلوب من أساليب اللغة العربية ؛ لأن تغاير اللفظين ربما نزل منزلة التغاير المعنوي ؛ لكثرة الإضافة المذكورة في القرآن وفي كلام العرب. وجزم بذلك ابن جرير في بعض مواضعه في القرآن. وعليه فلا حاجة إلى التأويل المشار إليه بقوله في الخلاصة :
| ولا يضاف اسم لما به اتحد | معنى وأول موهماً إذا ورد |
| وإن يكونا مفردين فأضف | حتما وإلا أتبع الذي ردف |
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان