آية الليل وآية النهار
" وجعلنا الليل والنهار آيتين، فمحونا آية الليل، وجعلنا آية النهار مبصرة، لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلا "
( سورة الإسراء الآية ١٣ )
مناسبة الربط
لله تعالى في سور القرآن، وعالم الأكوان، آيات بينات دالة على وجوده، وقدرته، وإرادته، وعلمه، وحكمته. ونعم سابغات موجبة لحمده وشكره وعبادته.
ولما ذكر تعالى آيته ونعمته بالقرآن الذي يهدي للتي هي أقوم، ذكر آيته ونعمته بالليل والنهار المتعاقبين على هذا الكون الأعظم. فقال تعالى :" وجعلنا الليل والنهار آيتين.... "
الشرح والبيان :
" جعلنا الليل والنهار " : خلقناهما، ووضعناهما آيتين. وجعل الشيء هو وضعه على حالة أو كيفية خاصة، فهما حادثان مسيران بتدبير وتقدير.
و «الليل " : هو الوقت المظلم الذي يغشى جانبا من الكرة الأرضية، عندما تكون الشمس منيرة لجانبها المقابل.
و " النهار " : هو الوقت الذي يتجلى على جانب الكرة المقابل للشمس فتضيئه بنورها. و لا يزالان هكذا متعاقبين على جوانب هذه الكرة و أمكنتها :
يكور(١)الليل على النهار، بأن يحل محله في جزء من الكرة – وجزء الكرة مكور – فيكون النهار الحال مكورا بحكم تكور المحل.
وكذلك النهار يكور عليه فيحل محله من الكرة، فيكون أيضا مكورا بحكم تكور المحل. و إنما جعلنا تكوير أحدهما على الآخر بحلوله محله ؛ لأنه لا يمكن تكويره عليه بحلوله عليه نفسه ؛ لأنهما ضدان لا يجتمعان، و ليسا جسمين يحل أحدهما على الآخر.
الآية
" والآية " : هي العلامة الدالة. و كان الليل والنهار " آيتين " بتعاقبهما مقدرين بأوقات متفاوتة بالزيادة والنقص في الطول والقصر، على نظام محكم وترتيب بديع، بحسب الفصول الشتوية والصيفية، وبحسب الأمكنة ومناطق الأرض : المناطق الاستوائية، والقطبية الشمالية، والجنوبية، و ما بينهما.
حتى يكونا في القطبين ليلة و يوما في السنة، ليلة فيها ستة أشهر هي شتاء القطبين، و يوم فيه ستة أشهر هو صيفهم.
فهذا الترتيب والتقدير والتيسير، دليل قاطع على وجود خالق حكيم قدير لطيف خبير.
الليل في نفسه آية، وفيه آيات، و أظهر آياته هو القمر. فيقال في القمر :
" آية الليل ". و النهار في نفسه آية، و فيه آيات، و أظهر آياته هي الشمس، فيقال في الشمس :" آية النهار ".
وبعد ما ذكر تعالى الليل والنهار آيتين في أنفسهما، ذكر أظهر آيات كل واحد منهما و أضاف إليه. فقال تعالى :" فمحونا آية الليل... "
ترجيح الإمام
وليس محور القمر و إبصار الشمس متأخرا عن الليل والنهار. وكيف ؟ ! و ما كان الليل والنهار إلا باعتبار إضاءة الشمس لجانب، وعدم إضاءتها لمقابله.
فليست الفاء في " فمحونا " للترتيب في الوجود، و إنما هي للترتيب في الذكر، و للترتيب في التعقل : فإن القمر والشمس بعض من آيات الليل والنهار، والجزء متأخر في التعقل عن الكل.
و قد اتفق الكاتبون على الآية – ممن رأينا على أن المراد من لفظ الآية في الموضعين واحد :
أ – فإما أن يراد بها نفس الليل والنهار، و الإضافة في " آية الليل " و " آية النهار " للتبيين كإضافة العدد للمعدود(٢).
أو يراد بها الشمس والقمر فيكون :" وجعلنا الليل والنهار آيتين "، على تقدير مضاف في الأول تقديره هكذا : وجعلنا نيري(٣)الليل والنهار.
أو في الأخير(٤) مقدرا هكذا : وجعلنا الليل والنهار ذوي آيتين.
ب – و إما على تقديرنا المتقدم فإن لفظ " آيتين " صادق على الليل والنهار. ولفظ " آية الليل " و " آية النهار "، صادق على الشمس والقمر.
و عليه يكون تقدير الآية هكذا : وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا قمر الليل وجعلنا شمس النهار مبصرة.
و هو تقدير صحيح لا معارض له من جهة اللفظ و لا من جهة المعنى، و سالم من دعوى تقدير محذوف، ومفيد لكثرة المعنى بأربع آيات : بالليل وقمره والنهار وشمسه. فالتقرير به أولى، ولذلك فسرنا الآية عليه.
معنى محو آية الليل
" فمحونا " : المحو هو الإزالة إزالة الكتابة من اللوح، و إزالة آثار من الديار. فمحو " آية الليل " إزالة الضوء منها، و هذا يقتضي أنه كان فيها ضوء ثم أزيل ؛ فتفيد الآية أن القمر كان مضيئا، ثم أزيل ضوؤه فصار مظلما.
رأي الجغرافيين
و قد تقرر في علم الهيئة أن القمر جرم مظلم يأتيه نوره من الشمس.
واتفق علماء الفلك في العصر الحديث بعد الاكتشافات والبحوث العلمية أن جرم القمر – كالأرض – كان منذ أحقاب طويلة و ملايين السنين شديد الحمو والحرارة ثم برد، فكانت إضاءته في أزمان حموه و زالت لما برد.
معجزة علمية قرآنية
لنقف خاشعين متذكرين أمام معجزة القرآن العلمية : ذلك الكتاب الذي جعله الله حجة لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم، و برهانا لدينه على البشر مهما ترقوا في العلم و تقدموا في العرفان ! !
فإن ظلام جرم القمر لم يكن معروفا أيام نزول الآية عند الأمم إلا أفرادا قليلين من علماء الفلك. و إن حمو جرمه أولا، وزواله بالبرودة ثانيا. ما عرف إلا في هذا العهد الأخير.
و الذي تلا هذه الآية و أعلن هذه الحقائق العلمية منذ نحو أربعة عشر قرنا نبي أمي : من أمه أمية. كانت في ذلك العهد أبعد الأمم عن العلم ؛ فلم يكن ليعلم هذا إلا بوحي من الله الذي خلق الخلائق و علم حقائقها ! !
كفاك بالعلم في الأمي معجزة في الجاهلية والتأديب في اليتم(٥)
***
" وجعلنا آية النهار مبصرة " :
فقد وضعت كذلك من أول خلقها " مبصرة " يبصر بها. والإسناد مجازي كما نقول لسان متكلم، أي متكلم به، فيسند الشيء إلى ما يكون به من آلة وسبب(٦).
والمبصرون حقيقة ذوو الأبصار، ولكنهم لا ينتفعون بأبصارهم إلا في ضوئها، و لا ينتفعون بها في الظلام.
قدرة إلهية
و إذا كان الضوء يكون من النار ! فأين ضوء النار من ضوء الشمس في القوة والدوام والعموم ؟ ! !
استنتاج
وكما أفادت الآية زوال نور القمر، بعد أن كان بمقتضى لفظه " فمحونا " ومدلولها لغة – فإنها تشير إلى أن نوره مكتسب، و تومىء إلى أنه من الشمس، وذلك أننا نرى فيه نورا، مع علمنا أن نوره قد أزيل ؛ فنعلم قطعا أن ذلك النور ليس منه.
و إذا كان مذكورا مع الشمس المبصرة في الاستدلال والامتنان، ومعاقبا مصاحبا لها في الظهور، فنوره جاءه منها وهي التي أبصرته.
سر الترتيب
وقدم الليل و آيته على النهار وآيته في ترتيب النظم، لأنه ظلام، والظلام عدم الضوء. والعدم مقدم على الوجود في هذه المخلوقات.
" لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلمواعدد السنين والحساب "
النعمة في آيتي الليل والنهار
ذكر تعالى الليل والنهار و آيتيهما استدلالا على الخلق ليعرفوه. وذكر ما فيها من النعمة عليهم ليشكروه ويعبدوه.
فكانت فائدة خلقها على هذا الوجه راجعة للعباد، ليبتغوا ويطلبوا فضلا من ربهم بالسعي لتحصيل المعاش، وأسباب الحياة، ووجوه المنافع.
وليضبطوا أوقاتهم بعلم عدد السنين الشمسية والقمرية، و ما اشتملت عليه السنون من الشهور والأيام والساعات.
وليعلموا جنس الحساب الذي منه حساب الشمس وتنقلها في منازلها، وحساب القمر وتنقله في بروجه، وحساب أبعادهما، وسعتهما، ومسير نورهما. ثم حساب ما يرتبط بهما من أجرام سابحة في الفضاء.
الابتغاء وسر التسمية به
" والابتغاء " : هو طلب الشيء بسعي إليه و محبة فيه. ويسمي – تعالى- طلب أسباب الحياة ابتغاء، تنبيها على هذا السعي وهذه المحبة، فهما الشرطان اللازمان للفوز بالمطلوب.
كما يسمي- تعالى- المطلوب بالابتغاء فضلا من الرب، وفضله من رحمته.
ورحمته واسعة لا تضبطها حدود، و لا تحصرها الأعداد – تنبيها على سعة هذا الفضل ليذهب الخلق في جميع نواحيه، و يأخذوا بجميع أسبابه مما أذن لهم فيه.
وليكونوا – إذا ضاق بهم مذهب – آخذين بمذهب آخر من مسالك هذا الفضل الرباني الواسع غير المحصور.
وتنبيها أيضا على قوة الرجاء في الحصول على البغية لأن طلبهم طلب لفضل رب كريم.
الرب
و يقول تعالى :" من ربكم " – والرب المالك المدبر لمملوكه بالحكمة فيعطيه في كل حال من أحواله ما يليق به، ليكون الخلق بعد قيامهم بالعمل راضين بما ييسره الله من أسباب، وما يقسمه لهم من رزق، ثقة بعدله وحكمته، فلا يبغي أحد على أحد بتعد أو حسد(٧).
إرشاد
فهذه الكلمات القليلة الكثيرة، وهي :" لتبتغوا فضلا من ربكم " جمعت جميع أصول السعادة في هذه الحياة :
بالعمل مع الجد فيهن والمحبة له والرجاء في ثمرته، الذي به قوام العمران.
وبالرضا والتسليم للمولى، الذي به(٨)طمأنينة القلب وراحة الضمير.
وبالكف للقلب واليد عن الناس، الذي به(٩)الأمن والسلام.
ضبط الأعمال بالأوقات
ويذكر تعالى علم عدد السنين، المتضمن لعدد الشهور والأيام والساعات.
تنبيها لخلقه على ضبط الأعمال بالأوقات، فإن نظام الأعمال واطرادها وخفتها والنشاط فيها و قرب إنتاجها... إنما هو بهذا الضبط لها على دقائق الزمان(١٠)
كما ذكر- تعالى- جنس الحساب تنبيها على لزومه لهذا الضبط، ولجميع شؤون الحياة من علم وعمل ؛ فكل العلوم الموصلة إلى هذا العد وهذا الحساب هي وسائل لها حكم مقصدها في الفضل والنفع والترغيب.
" وكل شيء فصلناه تفصيلا " :
ترغيب
فكل ما يحتاج إليه العباد لتحصيل السعادتين من عقائد الحق، و أخلاق الصدق، و أحكام العدل، ووجوه الإحسان.. كل هذا فصل في القرآن تفصيلا : كل فصل على غاية البيان والأحكام.
وهذا دعاء وترغيب للخلق أن يطلبوا ذلك كله من القرآن الذي يهدي للتي هي أقوم في العلم والعمل، ويأخذوا منه ويهتدوا به ؛ فهو الغاية التي ما وراءها غاية في الهدى والبيان.
مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير
عبد الحميد محمد بن باديس الصنهاجي