ثم ذكر الله قصة أصحاب الكهف فقال : إذ أوى الفتية
إذ أوى الفتية يعني أذكر إذ أوى الفتية أي صاروا إلى الكهف يقال أوى فلان إلى موضع كذا أي اتخذه منزلا، قال البغوي وهو غار في جبل بيجلوس واسم الكهف جيرم فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة يوجب لنا الهدية في الدين والمغفرة من الذنوب والرزق والآمن من العدو وهيئ لنا قال البيضاوي وأصل التهيئة أحداث هيئة الشيء من أمرنا أي من الأمر الذي نحن عليه من الإيمان ومفارقة الكفار رشدا أو المعنى أجعل لنا أمرنا كله رشدا، كقولك رأيت منك رشدا أي استقامة على طريق الحق مع تصلت فيه كذا في القاموس وفيه رشد كنصر وفرح رشدا ورشدا ورشادا اهتدت كاسترشد و استرشد طلبه والرشيد في صفات الله تعالى بمعنى الهادي إلى سواء الصراط والذي حسن تقديره فيما قدر.
قال البغوي اختلفوا في سبب مصيرهم إلى الكهف ؟ قال محمد بن إسحاق مرج أهل الإنجيل وعظمت فيهم الخطايا وطغت فيهم الملوك حتى عبدوا الأصنام وذبحوا للطواغيت وفيهم بقايا على دين المسيح متمسكين بعبادة الله عز وجل وكان ممن فعل ذلك من ملوكهم ملك من الروم يقال له دقيانوس عبد الأصنام وذبح للطواغيت وقتل من خالفه، وكان ينزل قرى الروم ولا يترك في قرية نزلها أحداً إلا فتنه حتى يذبح للطواغيت ويعبد الأصنام أو يقتله، حتى نزل مدينة أصحاب الكهف وهي أفسوس كلما نزلها كبر على أهل الإيمان فاستخفوا منه وهربوا في كل وجه، وكان دقيانوس حين نزلها أمر أن يتبع أهل الإيمان في أماكنهم، فيجزجونهم إلى دقيانوس فيخيرهم بين القتل وبين عبادة الأوثان والذبح للطواغيت، فمنهم من يرغب في الحياة ومنهم من يأبى أن يعبد غير الله فيقتل، فلما رأى ذلك أهل الشدة في الإيمان بالله جعلوا يسلمون للعذاب والقتل فيقتلون ويقطعون، ثم يربط ما قطع من أجسامهم على سور المدينة من نواحيها وعلى كل باب من أبوابها، حتى عظمت الفتنة فلما رأى ذلك الفتية حزنوا حزناً شديداً فقاموا واشتغلوا بالصلاة والصيام والصدقة والتسبيح والدعاء، وكانوا من أشراف الروم وكانوا ثمانية نفر بكوا وتضرعوا إلى الله وجعلوا يقولون : ربنا رب السموات والأرض لن ندعو من دونه إلهاً لقد قلنا إذاً شططاً إن عبدنا غيره، اكشف عن عبادك المؤمنين هذه الفتنة وارفع عنهم البلاء حتى يعلنوا بعبادتك فبينما هم على ذلك وقد دخلوا في مصلى لهم أدركهم الشرط فوجدوهم وهم سجود على وجوههم يبكون ويتضرعون إلى الله عز وجل، فقالوا لهم : ما خلفكم عن أمر الملك انطلقوا إليه ثم خرجوا فرفعوا أمرهم إلى دقيانوس فقالوا : تجمع الناس للذبح لآلهتك وهؤلاء الفتية من أهل بيتك يستهزؤون بك ويعصون أمرك، فلما سمع بذلك بعث إليهم فأتي بهم تفيض أعينهم من الدمع معفرة وجوههم بالتراب، فقال : ما منعكم أن تشهدوا الذبح لآلهتنا التي تعبد في الأرض وتجعلون أنفسكم أسوة كسرات أهل مدينتكم واختاروا إما أن تذبحوا لآلهتنا وإما أن أقتلكم، فقال مكسلمينا وهو أكبرهم إن لنا إلهاً ملأ السماوات عظمته لن ندعو من دونه إلهاً أبداً له الحمد والتكبير والتسبيح من أنفسنا خالصاً إياه نعبد وإياه نسأل النجاة والخير فأما الطواغيت فلن نعبدها أبداً فاصنع ما بدا لك، وقال أصحاب مكسلمينا لدقيانوس مثل ما قال، فلما قالوا ذلك أمر فنزع عنهم لبوس كانت عليهم من لبوس عظمائهم، ثم قال سأفرغ فأنجز لكم ما وعدتكم من العقوبة وما يمنعني أن أعجل ذلك لكم إلا أن أراكم شباناً حديثة أسنانكم ولا أحب أن أهلككم حتى أجعل لكم أجلاً تذكرون فيه وتراجعون عقولكم، ثم أمر بحلية كانت عليهم من ذهب وفضة فنزعت ثم أمر بهم فأخرجوا عنه، وأنطلق دقيانوس إلى مدينة سوى مدينتهم قريباً لبعض أموره. . فلما رأى الفتية خروجه بادروا قدومه وخافوا إذا قدم مدينتهم أن يذكرهم فأتمروا بينهم أن يأخذ كل منهم نفقته من بيت أبيه فيتصدقوا منها ويتزودوا بما بقي ثم ينطلقوا إلى كهف قريب من المدينة في جبل يقال له بيجلوس فيمكثون فيه ويعبدون الله، حتى إذا جاء دقيانوس أتوه فقاموا بين يديه فيصنع بهم ما يشاء فلما قال ذلك بعضهم لبعض عمد كل فتى منهم إلى بيت أبيه فأخذ نفقته فتصدق منها ثم انطلقوا بما بقي معهم وأتبعهم كلب كان لهم حتى أتوا ذلك الكهف فلبثوا فيه، قال كعب الأحبار ومروا بكلب فتبعهم فطردوه فعاد ففعلوا ذلك مراراً، فقال لهم الكلب يا قوم ما تريدون مني لا تخشون جانبي أنا أحب أحباء الله عز وجل فناموا حتى أحرسكم. وقال ابن عباس هربوا ليلاً من دقيانوس وكانوا سبعة فمروا براع معه كلب فتبعهم على دينهم وتبعهم كلبه فخرجوا من البلد إلى الكهف وهو قريب من البلد، قال ابن عباس فلبثوا فيه ليس لهم عمل إلا الصلاة والصيام والتسبيح والتكبير والتحميد ابتغاء وجه الله، وجعلوا نفقتهم إلى فتى منهم يقال له تمليخا وكان يبتاع لهم أرزاقهم من المدينة سراً وكان من أجملهم وأجلدهم، وكان إذا دخل المدينة يضع ثياباً كانت عليه حساناً ويأخذ ثياباً كثياب المساكين الذين يستطعمون فيها، ثم يأخذ ورقة فينطلق إلى المدينة فيشتري لهم طعاماً وشراباً ويتجسس لهم الخبر هل ذكر هو وأصحابه بشيء ثم يرجع إلى أصحابه فلبثوا بذلك ما لبثوا. ثم قدم دقيانوس المدينة فأمر عظماء أهلها فذبحوا للطواغيت ففزع أهل الإيمان وكان تمليخا بالمدينة يشتري لأصحابه طعامهم فرجع إلى أصحابه وهو يبكي ومعه طعام قليل وأخبرهم أن الجبار قد دخل المدينة وقد ذكروا والتمسوا مع عظماء المدينة ففزعوا ووقعوا سجوداً يدعون الله ويتضرعون ويتعوذون من الفتنة، ثم إن تمليخا قال : يا أخوتاه ارفعوا رؤوسكم واطعموا وتوكلوا على ربكم، فرفعوا رؤوسهم وأعينهم تفيض من الدمع فطعموا وذلك من غروب الشمس ثم جلسوا يتحدثون ويتدارسون ويذكر بعضهم بعضاً فبينما هم على ذلك إذ ضرب الله على آذانهم في الكهف وكلبهم باسط ذراعيه بباب الكهف فأصابه ما أصابهم وهم مؤمنون وموقنون ونفقتهم عند رؤوسهم، فلما كان من الغد فقدهم دقيانوس فلم يجدهم فقال لبعضهم قد ساءني شأن هؤلاء الفتية الذين ذهبوا لقد كانوا ظنوا أن لي غضباً عليهم لجهلهم ما جعلوا من أمري ما كنت لأحمل عليهم إن هم تابوا وعبدوا آلهتي، فقال عظما ء المدينة ما أنت بحقيق أن ترحم قوماً فجرة مردة عصاة لقد كنت أجلت لهم أجلاً ولو شاؤوا لرجعوا في ذلك الأجل ولكنهم لم يتوبوا، فلما قالوا ذلك غضب غضباً شديداً، ثم أرسل إلى آبائهم فأتى بهم فسألهم عنهم فقال أخبروني عن أبنائكم المردة الذين عصوني، فقالوا له : أما نحن فلم نعصك فلم تقتلنا بقوم مردة قد ذهبوا بأموالنا فأهلكوها في أسواق المدينة ثم انطلقوا وأرسلوا إلى جبل يدعى بيجلوس، فلما قالوا له ذلك خلى سبيلهم وجعل لا يدري ما يصنع بالفتية فألقى الله عز وجل في نفسه أن يأمر بالكهف فيسد عليهم، وأراد الله أن يكرمهم ويجعلهم آية لأمة تستخلف من بعدهم وأن يبين لهم أن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور ١ فأمر دقيانوس بالكهف أن يسد عليهم وقال دعوهم في الكهف الذي اختاروا كما هم يموتون جوعاً وعطشاً ويكون كهفهم الذي اختاروا قبراً لهم وهو يظن أنهم أيقاظ يعلمون ما يصنع بهم وقد توفى الله أرواحهم وفاة النوم وكلبهم باسط ذراعيه بباب الكهف قد غشيه ما غشيهم يتقلبون ذات اليمين وذات الشمال. ثم إن رجلين مؤمنين من بيت الملك دقيانوس يكتمان إيمانهما اسم أحدهما يندروس والآخر إياش ائتمروا أن يكتبا شأن الفتية وأنسابهم وأسماءهم وخبرهم في لوحين من رصاص ويجعلاهما في تابوت من نحاس ويجعلا التابوت في البنيان، وقالا : لعل الله أن يظهر على هؤلاء الفتية قوماً مؤمنين قبل يوم القيامة فيعلم من فتح عنهم حين يقرأ هذا الكتاب خبرهم ففعلا فبنيا عليه فبقي دقيانوس ما بقي ثم مات هو وقومه وقرون بعده كثيرة وخلفت الملوك بعد الملوك، وقال عبيد بن عمير كان أصحاب الكهف فتياناً مطوقين مسورين ذوي ذوائب وكان معهم كلب صيدهم فخرجوا في عيد لهم عظيم في زي عظيم وموكب وأخرجوا معهم آلهتهم التي يعبدونها وقد قذف الله في قلوب الفتية الإيمان وكان أحدهم وزير الملك فآمنوا وأخفى كل واحد منهم إيمانه، فقالوا في أنفسهم نخرج من بين أظهر هؤلاء القوم لا يصيبنا عقاب بجرمهم، فخرج شاب منهم حتى انتهى إلى ظل شجرة فجلس فيه، ثم خرج آخر فرآه جالساً وحده فرجا أن يكون على مثل أمره من غير أن يظهر ذلك، ثم خرج آخر فاجتمعوا إلى مكان فقال بعضهم لبعض ما جمعكم ؟ وكل واحد يكتم صاحبه إيمانه مخافةً على نفسه، ثم قالوا : ليخرج كل فئتين فيخلو بصاحبه ثم يغشي كل واحد منكم سره إلى صاحبه فإذا هم جميعاً على الإيمان وإذا كهف في الجبل قريبا منهم فقال بعضهم لبعض : فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ٢ فدخلوا الكهف ومعهم كلب صيدهم فناموا ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعاً وفقدهم قومهم وطلبوهم فعمى الله عليهم آثارهم وكهفهم فكتبوا أسماءهم وأنسابهم في لوح أن فلان بن فلان وفلان أبناء ملوكنا فقدناهم في شهر كذا في سنة كذا في مملكة فلان بن فلان، ووضعوا اللوح في خزانة الملك فقالوا ليكونن لهذا شأن، ومات ذلك الملك وجاء قرن بعد قرن. وقال وهب بن منبه جاء حواري عيسى عليه السلام إلى المدينة أصحاب الكهف فأراد أن يدخلها فقيل له : إن على بابها صنماً لا يدخلها أحد إلا سجد له فكره أن يدخلها، فأتى حماما ً قريباً من المدينة فكان يؤاجر نفسه من الحمامي ويعمل فيه ورأى صاحب الحمامة في حمامه البركة وعلقه فتية من أهل المدينة فجعل يخبرهم خبر السماء والأرض حتى آمنوا وصدقوه وكان شرط على صاحب الحمام أن الليل لي لا يحول بيني وبينه ولا بين الصلاة أحد، وكان على ذلك حتى أتى ابن الملك بامرأة فدخل بها الحمام فعصيره الحمامي وقال : أنت ابن الملك وتدخل مع هذه فاستحي وذهب فرجع مرة أخرى فقال له مثل ذلك فسبه وانتهره ولم يلتفت إلى مقالته حتى دخلا معا فماتا في الحمام وأتى الملك فقيل له : قتل صاحب الحمام ابنك فالتمس فلم يقدر عليه وهرب، فقال : من كان يصحبه ؟ فسموا الفتية فالتمسوا فخرجوا من المدينة فمروا بصاحب لهم على مثل إيمانهم فأنطلق ومعه كلب حتى آواهم الليل إلى الكهف فدخلوه وقالوا : نبيت هاهنا الليلة ثم نصبح إن شاء الله فترون رأيكم فضرب الله على آذانهم، فخرج الملك في أصحابه يبتغونهم حتى وجدوهم قد دخلوا الكهف فلما أراد رجل منهم دخوله رعب فلم يطق أحد أن يدخله، فقال قائل : أليس لو قدرت عليهم قتلتهم ؟ قال : بلى قال : فابن عليهم باب الكهف وأتركهم فيه يموتون جوعاً ففعل، قال وهب فعبروا بعدما سد عليهم باب الكهف زمان بعد زمان، ثم إن راعياً أدركه المطر عند الكهف فقال : لو فتحت هذا الكهف وأدخلت غنمي فيه فأكنهم من المطر فلم يزل يعالجه حتى فتح، ورد الله أرواحهم من الغد حين أصبحوا.
وقال محمد بن إسحاق ثم ملك أهل تلك البلاد رجل صالح يقال له فلم بقي في ملكه ثمانية وستين سنة فتحزب الناس في ملكه وكانوا أحزاباً منهم من يؤمن بالله ويعلم أن الساعة حق ومنهم من يكذب بها، فكبر ذلك على الملك الصالح فبكى وتضرع إلى الله وحزن حزناً شديداً لما رأى أهل الباطل يزيدون ويظهرون على أهل الحق ويقولون لا حياة إلا حياة الدني
٢ سورة الكهف، الآية: ١٦..
التفسير المظهري
المظهري