سهل البيع سمح الشراء ".
(وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا) أنه فلان بن فلان وأنه من قوم كذا فيعرفون أنه من أصحاب الكهف.
أو لا يشعرن بمكانكم أحدا، من الناس.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (٢٠)
يحتمل: يقتلوكم أو ما أرادوا بكم.
(أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ)، أي: في دينهم الكفر.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا).
أي: ما دمتم في ملتهم ودينهم، هذا كأنهم لم يعرفوا التَّقِيَّة، وإلا لو أعطوهم بلسانهم ولم يعطوهم بقلوبهم، لكانوا قد أفلحوا.
أو عرفوا التَّقِيَّة إلا أنه لم يكن للقرون الماضية التقية، ولم يؤذن لهم فيها.
أو هي رخصة رخص لهم، والأفضل ألا يعطي ذلك ولا يظهر، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (٢١)
اختلف في قوله: (وَكَذَلِكَ)؛ قَالَ بَعْضُهُمْ: كما أخرج المبعوث بشراء الطعام من الكهف مع الورق المتقدم ضربها، فكان ذلك بسبب إعلام أهل المدينة عن الفتية (وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ)، أي: أطلعنا عليهم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: كما أعلم عن أنباء الفتية وأصحاب الكهف وقصصهم من أولها إلى آخرها، (وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ) أي: أطلعنا عليهم، واللَّه أعلم.
وجائز أن يكون قوله: (وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ) أي: كما ضرب على آذانهم ليعلموا أن ما وعد لهم الرسل عن اللَّه حق.
ثم اختلف في إطلاعهم عليهم:
قَالَ بَعْضُهُمْ: أطلع اللَّه الملك الذي هربوا منه وأهل المدينة بعدما أنامهم، لكن حيل بينهم وبين أُولَئِكَ.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: أطلعهم قبل أن ينيمهم، فحيل بينهم وبينهم، فسدوا باب الكهف، فبقوا هنالك، ثم أنامهم بعد ذلك ما ذكر، فهلك ذلك الملك، وانقرض تلك القرون، ثم ولي ملك آخر مسلم صالح، ثم أطلع ذلك الملك عليهم، وأمثال ذلك قد قالوا، فلا ندري
كيف كانت القصة؟ وفي ظاهر الآية أنه أطلع عليهم بعدما أنامهم وبعثهم، وليس فيه بيان أنه من أطلع عليهم الملك الأول أو الثاني أو القوم أو غيرهم؟ ولا يجوز أن يقطع القول فيه أنه فلان؛ لأن هذه الأنباء ذكرت في القرآن حجة لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، فلو قطع القول على شيء أو زيد أو نقص عما كان في كتبهم، خرجت عن أن تكون حجة له.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ).
يشبه أن يكون الرسل من قبل كانوا يخبرون قومهم أن نفرًا يهربون من ملكهم؛ إشفاقًا على دينهم، ويلتجئون إلى الكهف فينامون كذا وكذا سنة، ثم يبعثون، فأكذبهم قومهم بما أخبروا قومهم من أنبائهم، فقال: (أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا) أن ما وعد الرسل وأخبروهم من نبأ أصحاب الكهف حق.
والثاني: يحتمل أن يكونوا ينكرون البعث والساعة، والرسل يخبرون أنهم يبعثون، فأطلع على أُولَئِكَ؛ ليعلموا أن البعث والقيامة حق؛ لأن الأعجوبة في إبقاء أنفس أصحاب الكهف في نومهم ثلاثمائة سنة أو أكثر بلا غذاء يغتذون، ولا طعام يطعمون، ولا شيء تقوم به الأنفس - إن لم تكن أكثر وأعظم من إحياء الموتى وجمع العظام الناخرة البالية لا تكون دونه؛ لما لم يروا الأنفس لا تبقى أياما بلا غذاء فضلا أن تبقى سنين كثيرة ثلاثمائة أو أكثر، فبعث هَؤُلَاءِ؛ ليعلم من أنكر البعث أن من قدر على إبقاء الأنفس مدة مديدة طويلة بلا غذاء تغتذي به لقادر على إحياء الموتى وبعثهم بعد الموت.
أو أن يكون ما ذكرنا بدءًا: أن الرسل السالفة كأنهم أخبروا قومهم عن قصة أصحاب الكهف فكذبوهم، فأطلع اللَّه نبأهم وخبرهم؛ ليعلم أُولَئِكَ أن الذي أخبرهم الرسل حق وصدق، واللَّه أعلم.
ثم إن هذه الأنباء والقصص المتقدمة ذكرت في القرآن حجة لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ودلالة في إثبات رسالته، فلا يجوز أن يقطع القول في شيء لم يبين فيه ولم يوضح ولم يفسر؛ لما يخاف فيه الكذب على اللَّه، ولا الزيادة فيها والنقصان على ما ذكر فيه؛ لما لعلها تخرج مخالفة لما ذكر في كتبهم؛ فلا يكون له فيها حجة ولا دلالة.
فَإِنْ قِيلَ: كيف علموا أن ما أخبرهم الرسل حق إذا كانوا لا ينكرون أن وعد اللَّه حق، ولكن يظنون أن ما وعدهم الرسل ويخبرونهم إنما هو اختراع منهم لا وعد من اللَّه وخبر عن اللَّه؟
قيل: علموا أن ذلك حق بوجوه:
أحدها: ما رأوا من الدراهم التي كانت في يدي المبعوث بشراء الطعام من الضرب المتقدم، وإن كان يجوز أن تكون تلك الدراهم من كنز أصاب ذلك الرجل لا من دراهم
تأويلات أهل السنة
محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي
مجدي محمد باسلوم