تفسير المفردات : الغيب : ما غاب عن الإنسان : فالمراد أن يرمي الإنسان ما غاب عنه ولا يعرفه بالحقيقة، كما يقال فلان يرمي بالكلام رميا : أي يتكلم من غير تدبر، والمراد هنا القول بالظن والتخمين. والمراء : المحاجة فيما فيه مرية وتردد، والمراء الظاهر : ما لا تعمق فيه بألا يكذبهم في تعيين العدد، بل يقول هذا التعيين لا دليل عليه، فيجب عدم الجزم به ولا تستفت : أي لا تطلب الفتيا منهم.
الإيضاح : ولما ذكر سبحانه القصة ونزاع المتخاصمين فيما بينهم – شرع يقص علينا ما دار في عهد النبي صلى الله عليه وسلم من الخلاف في عدد أصحاب الكهف فقال : سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم أي سيقول بعض الخائضين من أهل الكتاب ذلك، فقد روي أن نصارى نجران تناظروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في عدد أهل الكهف، فقالت الملكانية ( أصحاب الملك ) : هم ثلاثة رابعهم كلبهم، وقالت اليعقوبية : هم خمسة سادسهم كلبهم، وقالت النسطورية : هم سبعة وثامنهم كلبهم، وروي هذا عن ابن عباس، وهو الحق بدليل أنه تعالى حكم على القولين السابقين بأنهما رجم بالغيب، فأرشد ذلك إلى أن الحال في الأخير بخلافه، وأنهم إنما قالوه عن ثبات علم، وطمأنينة نفس.
قل ربي أعلم بعدتهم في هذا إرشاد لنا إلى أن الأحسن في مثل هذا المقام رد العلم إلى الله تعالى، إذ لا تحتاج إلى الخواص في مثل ذلك بلا علم، فإن اطلعنا على أمر قلنا به، وإلا توقّفنا ولم نجزم بشيء.
ما يعلمهم إلا قليل أي ما يعلم عددهم إلا قليل من الناس. روى قتادة عن ابن عباس أنه قال : أنا من القليل الذي استثنى الله عز وجل، كانوا سبعة سوى الكلب، ولم يرد في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء في ذلك.
وفي هذا دلالة على أن المهمّ ليس هو معرفة العدد، بل المهم الاعتبار بذلك القصص، وبما يكون نافعا لعقولنا وتطهير أخلاقنا ورقينا في حياتينا الدنيوية والأخروية.
وبعد أن ذكر سبحانه هذا القصص، نهى رسوله صلى الله عليه وسلم عن شيئين : المراء في أمرهم، والاستفتاء في شأنهم فقال :
فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا أي فلا تجادل في شأن الفتية إلا جدلا سهلا ليّنا، وقص عليهم ما جاء في الكتاب الكريم دون تكذيب لهم في تعيين العدد، ولا تجهيل لهم في الحديث، إذ لا يترتب على ذلك كبير فائدة، لأن المقصد من القصة هو العظة والاعتبار، ومعرفة أن البعث حاصل لا محالة، وهذا لا يتوقف على عدد معين، إلى أن ذلك مما يخلّ بمكارم الأخلاق التي بعث لإتمامها.
ونحو الآية قوله : ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن [ العنكبوت : ٤٦ ].
ولا تستفت فيهم منهم أحدا أي ولا تستفت النصارى في شأنهم، فإنهم لا علم لهم بذلك إلا ما يقولونه من تلقاء أنفسهم رجما بالغيب من غير استناد إلى دليل قاطع، ولا نص صريح، وقد جاءك ربك بالحق الذي لا مرية فيه، فهو الحاكم المقدّم على كل تقدمه من الكتب والأقوال السالفة.
وفي الآية دليل على منع المسلمين من مراجعة أهل الكتاب في شيء من العلم.
تفسير المراغي
المراغي