الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي الْآيَةَ :
فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ :
الْأَوَّلُ : أَمْرٌ قِيلَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَعْنَى التَّبَرُّكِ أَوْ التَّأْدِيبِ.
الثَّانِي : أَنَّ الْمَعْنَى عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ من مِيعَادِكُمْ.
فَإِنْ قِيلَ : وَأَيُّ قُرْبٍ، وَقَدْ فَاتَ الْأَجَلُ ؟
قُلْنَا : الْقُرْبُ هُوَ مَا أَرَادَ اللَّهُ وَقْتَهُ وَإِنْ بَعُدَ، وَالْبُعْدُ مَا لَمْ يُرِدْ اللَّهُ وَقْتَهُ وَإِنْ قَرُبَ. الثَّالِثُ : الْمَعْنَى إنَّكُمْ طَلَبْتُمْ مِنِّي آيَاتٍ دَالَّةً عَلَى نُبُوَّتِي، فَأَخْبَرْتُكُمْ، فَلَمْ تَقْبَلُوا مِنِّي، فَعَسَى أَنْ يُعْطِيَنِي اللَّهُ مَا هُوَ أَقْرَبُ لِإِجَابَتِكُمْ مِمَّا سَأَلْتُمْ.
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَالَ قَوْمٌ : أَيُّ فَائِدَةٍ لِهَذَا الِاسْتِثْنَاءِ وَهُوَ حَقِيقٌ وَاقِعٌ لَا مَحَالَةَ ؛ لِأَنَّ الدَّلِيلَ قَدْ قَامَ، وَكُلُّ أَحَدٍ قَدْ عَلِمَ بِأَنَّ مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ.
قُلْنَا : عَنْهُ أَرْبَعَةُ أَجْوِبَةٍ :
الْأَوَّلُ : أَنَّهُ تَعَبُّدٌ من اللَّهِ، فَامْتِثَالُهُ وَاجِبٌ، لِالْتِزَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ، وَانْقِيَادِهِ إلَيْهِ، وَمُوَاظَبَتِهِ عَلَيْهِ.
الثَّانِي : أَنَّ الْمَرْءَ قَدْ اشْتَمَلَ عَقْدُهُ عَلَى أَنَّهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ كَانَ مَا وَعَدَ بِفِعْلِهِ أَوْ تَرْكِهِ وَاتَّصَلَ بِكَلَامِهِ فِي ضَمِيرِهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَّصِلَ ذَلِكَ من قَوْلِهِ فِي كَلَامِهِ بِلِسَانِهِ، حَتَّى يَنْتَظِمَ اللِّسَانُ وَالْقَلْبُ عَلَى طَرِيقَةٍ وَاحِدَةٍ.
الثَّالِثُ : أَنَّهُ شِعَارُ أَهْلِ السُّنَّةِ، فَتَعَيَّنَ الْإِجْهَارُ بِهِ، لِيُمَيَّزَ من أَهْلِ الْبِدْعَةِ.
الرَّابِعُ : أَنَّ فِيهِ التَّنْبِيهَ عَلَى مَا يَطْرَأُ فِي الْعَوَاقِبِ بِدَفْعٍ أَوْ تَأَتٍّ، وَرَفْعَ الْإِيهَامِ الْمُتَوَقَّعِ بِقَطْعِ الْعَقْلِ الْمُطْلَقِ فِي الِاسْتِغْنَاءِ عَنْ مَشِيئَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ.
وَهَذِهِ كَانَتْ فَائِدَةُ الِاسْتِثْنَاءِ دَخَلَتْ فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ رُخْصَةً، وَبَقِيَتْ سَائِرُ الِالْتِزَامَاتِ عَلَى الْأَصْلِ ؛ وَلِهَذَا يُرْوَى عَنْ بَعْضِ الْمُتَقَدِّمِينَ أَنَّهُ إذَا قَالَ لِعَبْدِهِ : أَنْتَ حُرٌّ إنْ شَاءَ اللَّهُ، فَهُوَ حُرٌّ ؛ لِأَنَّهُ قُرْبَةٌ. وَلَوْ قَالَهَا فِي الطَّلَاقِ لَمْ تَلْزَمْ ؛ لِأَنَّهُ أَبْغَضُ الْحَلَالِ إلَى اللَّهِ. وَهَذَا ضَعِيفٌ ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ يَرْفَعُ الْعَقْدَ الْمُلْتَزَمَ فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ وَالطَّلَاقِ فَلْيَرْفَعْهُ فِي الْعِتْقِ، وَإِنْ كَانَتْ رُخْصَةً فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ لِكَثْرَةِ تَرَدُّدِهَا فَلَا يُقَاسُ عَلَى الرُّخَصِ.
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : هَذِهِ الْآيَةُ حُجْزَةٌ بَيْنَ الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ وَالْبِدْعَةِ وَالسُّنَّةِ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ أَدَّبَ رَسُولَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِرَبْطِ الْأُمُورِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، تَقَدَّسَ تَعَالَى، وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ لَوْ قَالَ لِرَجُلٍ آخَرَ لَهُ عَلَيْهِ حَقٌّ : وَاَللَّهِ لَأُعْطِيَنَّكَ حَقَّك غَدًا إنْ شَاءَ اللَّهُ، فَجَاءَ الْغَدُ وَلَمْ يُعْطِهِ شَيْئًا أَنَّهُ لَا حِنْثَ عَلَيْهِ فِي يَمِينِهِ، وَلَا يَلْحَقُهُ فِيهِ كَذِبٌ، وَالتَّأْخِيرُ مَعْصِيَةٌ من الْغَنِيِّ الْقَادِرِ، وَلَوْ كَانَ اللَّهُ لَمْ يَشَأْ التَّأْخِيرَ ؛ لِأَنَّهُ مَعْصِيَةٌ، وَهُوَ لَا يَشَاءُ الْمَعَاصِيَ، كَمَا يَقُولُونَ، إذَنْ كَانَ يَكُونُ الْحَالِفُ كَاذِبًا حَانِثًا. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَأُعْطِيَنَّكَ حَقَّك إنْ عِشْت غَدًا، فَعَاشَ فَلَمْ يُعْطِهِ كَانَ حَانِثًا كَاذِبًا.
وَعِنْدَ مُعْتَزِلَةِ الْبَصْرَةِ وَبَغْدَادَ أَنَّ مَشِيئَةَ اللَّهِ لِإِعْطَاءِ هَذَا الْحَالِفِ مَا عَلَيْهِ من الْحَقِّ أَمْرُهُ، وَقَدْ عُلِمَ حُصُولُ أَمْرِهِ بِذَلِكَ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ اسْتِثْنَاءُ الْحَالِفِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ فِي ذَلِكَ الْمَعْلُومِ حُصُولُهُ بِمَنْزِلَةِ اسْتِثْنَاءِ الْحَالِفِ بِكُلِّ مَعْلُومٍ حُصُولُهُ، وَكَمَا لَوْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَأُعْطِيَنَّكَ حَقَّك إنْ أَمَرَنِي اللَّهُ غَدًا بِذَلِكَ. وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، بَيْدَ أَنَّ أَهْلَ الْبَصْرَةِ قَالُوا : إنَّ اللَّهَ أَرَادَ إعْطَاءَ حَقِّ هَذَا إرَادَةً مُتَقَدِّمَةً لِلْأَمْرِ بِهِ، وَبِذَلِكَ صَارَ الْأَمْرُ أَمْرًا، وَهِيَ مُتَجَدِّدَةٌ فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَالْحَالِفُ كَاذِبٌ عَلَى كُلِّ قَوْلٍ من أَقْوَالِهِمْ، حَانِثٌ.
وَقَدْ زَعَمَ الْبَغْدَادِيُّونَ أَنَّ مَشِيئَةَ اللَّهِ هِيَ تَقِيَّةُ الْعَبْدِ إلَى غَدٍ وَتَأْخِيرُهُ لَهُ، وَرَفْعُ الْعَوَائِقِ عَنْهُ. وَلَوْ كَانَ صَحِيحًا لَوَجَبَ إذَا أَصْبَحَ الْحَالِفُ حَيًّا بَاقِيًا سَالِمًا من الْعَوَائِقِ أَنْ يَكُونَ كَاذِبًا حَانِثًا إذَا لَمْ يُعْطِهِ حَقَّهُ. وَقَدْ قَالُوا : إنَّمَا لَمْ يَلْزَمْهُ الْحِنْثُ إذَا قَالَ : إنْ شَاءَ اللَّهُ ؛ رُخْصَةً من الشَّرْعِ.
قُلْنَا : حُكَمَ الشَّرْعُ بِسُقُوطِ الْحَرَجِ وَالْحِنْثِ عَنْهُ إذَا قَالَ : إنْ شَاءَ اللَّهُ، وَبَقَائِهِ عَلَيْهِ إذَا قَالَ : إنْ أَبْقَانِي اللَّهُ - دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا بَيِّنٌ مَعْنًى، كَمَا هُوَ بَيِّنٌ لَفْظًا ؛ إذْ لَوْ كَانَ مَعْنًى وَاحِدًا لَمَا اخْتَلَفَ الْحُكْمُ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إنَّ مَعْنَاهُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إلْجَائِي إلَيْهِ، وَهَذَا فَاسِدٌ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَوْ أَلْجَأَهُ إلَيْهِ لَمْ يُتَصَوَّرْ التَّكْلِيفُ فِيهِ بِالْإِلْزَامِ ؛ لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ عَلَى فِعْلِ الشَّيْءِ مَعَ الْأَمْرِ بِهِ عِنْدَهُمْ مُحَالٌ، فَلَا وَجْهَ لِقَوْلِهِمْ بِحَالٍ. وَقَدْ بَسَطْنَاهُ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ بِأَعَمَّ من هَذَا التَّفْصِيلِ.
أحكام القرآن
ابن العربي