إلا أن يشاء الله يعني لا تقولن في حال من الأحوال إلا متلبسا بمشيئته أي إلا قائلا إن شاء الله، أو في وقت من الأوقات إلا وقت مشيئته أن تقوله بمعنى إلا وقت أن يأذن لك فيه، وذلك الوقت إنما وقت قولك إن شاء الله معه، وليس الاستثناء متعلقا بقوله إني فاعل لأنه لو قال إني فاعل كذا إلا أن يشاء الله، كان معناه إلا أن يعترض مشيئة الله دون فعلي وذلك لا مدخل فيه للنهي، وهذا نهي تأديب من الله لنبيه صلى الله عليه وسلم واذكر ربك بالتسبيح والاستغفار إذا نسيت الاستثناء فيه حث وتأكيد على الاهتمام في إتيان الاستثناء على كل عزم، أو المعنى وأذكر ربك وعقابه إذا تركت بعض ما أمرك به ليعينك على التدارك، أو المعنى إذا نسيت شيئا فأذكره ليذكرك المنسي.
وقال عكرمة معنى الآية وأذكر ربك إذا غضبت، قال وهب مكتوب في الإنجيل ابن آدم أذكرني حين تغضب أذكرك حين أغضب، وقال الضحاك والسدي هذا في الصلاة عن أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( ومن نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها ) رواه البغوي وفي الصحيحين وعند أحمد والترمذي والنسائي بلفظ " من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها " ١ وعن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( من نام عن وتره أو نسيه فليصله إذا ذكره ) رواه أحمد والحاكم وصححه، وقال ابن عباس ومجاهد والحسن معناه إذا نسيت الاستثناء ثم ذكرت فأستثن، ومن ها هنا جوزوا تأخير الاستثناء ولو بعد سنة ما لم يحنث أخرجه سعيد بن منصور وابن جرير والطبراني والحاكم عن ابن عباس، ويؤيد قولهم ما أخرج ابن مردويه عن ابن عباس أنه قال : لما نزل هذه الآية قال عليه السلام إن شاء الله وعامة الفقهاء على خلافه فإن الكلام الغير المستقل إذا كان مغيرا لمعنى كلام آخر كالشرط والاستثناء والغاية والبدل بدل البعض لا بد أن يكون متصلا به، إذ لو صح الاستثناء ونحو ذلك منفصلا لم يتقرر إقرار ولا طلاق ولا إعتاق ولا يعلم صدق ولا كذب.
حكي : أنه بلغ المنصور أن أبا حنيفة خالف ابن عباس رضي الله عنهما في الاستثناء المنفصل، فاستحضره لينكر عليه فقال أبو حنيفة هذا يرجع عليك أنك تأخذ البيعة بالطاعة أفترضى أن يخرجوا من عندك فيستثنوا فيخرجوا عليك فاستحسن كلامه وأمر الطاعن فيه بإخراجه من عنده، وما روى من قوله صلى الله عليه وسلم : إن شاء الله عند نزول هذه الآية ليس استثناء متعلقا بقوله صلى الله عليه وسلم وائتوني غدا أخبركم يعني عن أصحاب الكهف والروح وذي القرنين، بل هو استثناء متعلق بمقدر تقديره لا أترك الاستثناء إن شاء الله تعالى فيما أقول في ثاني الحال أني فاعل ذلك غدا والله أعلم.
وقالت الصوفية العلية : إن معنى الآية وأذكر ربك إذا نسيت ما عداه، قالوا : ذكر الله سبحانه دائما لا يتصور ما لم يحصل لقلبه نسيان عما سواه لأن قلب الإنسان يشغله شأن عن ِشأن ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه ٢ فالذكر الدائم الذي لا يقع فيه فتور لا يتصور ما لم يحصل لقلبه نسيان دائمي عما سواه وهذه الحالة يعبر عندهم بفناء القلب وأما الذكر الذي يعقبه غفلة فلا يعتدون به، والقلب يذكر تارة ويغفل عنه ويذكر غيره أخرى لا يسمى عندهم موحدا، وهذا التأويل أنسب بمنطوق الكتاب وأوفق للعربية وأبعد من التجوز لأن قوله : إذا نسيت ظرف لا ذكر والظرفية الحقيقية أن يكون الذكر في وقت النسيان، ولا شك أن وقت الذكر مغاير لوقت النسيان على سائر التأويلات السابقة، فلا يكون الظرفية على تلك التأويلات إلا مجازا والحمل على الحقيقة أولى وقل عسى أن يهدين قرأ نافع وأبو عمرو بالياء وصلا فقط وابن كثير بالياء في الحالين والباقون يحذفونها فيهما أي يهدني ربي لأقرب من هذا المنسى رشدا أي خيرا وصلاحا عطف على أذكر يعني إذا نسيت الاستثناء أو شيئا مما أمرك الله بإتيانه فأذكر الله بالتسبيح والاستغفار وأستعنه وقل عسى أن يهدين ربي لشيء آخر أفضل من هذا المنسي وأقرب منه رشدا، أو ذلك الندم والتوبة والاستغفار مع القضاء، وقيل إن القوم لما سألوه عن قصة أصحاب الكهف على وجه العناد أمره الله عز وجل أن يخبرهم بأن الله سيؤتيه من الحجج على صحة نبوته ما هو أدل من قصة أصحاب الكهف، وقد فعل حيث أتاه علم غيب المرسلين وعلم ما كان وما يكون ما هو أوضح في الحجة وأقرب إلى الرشد من خبر أصحاب الكهف، وقال بعضهم هذا شيء أمر الله رسوله أن يقوله مع قوله إن شاء الله لا أترك الاستثناء أبدا إذا ذكر الاستثناء وبعد النسيان يعني إذا ترك الإنسان إن شاء الله ناسيا ثم ذكره فتوبته من ذلك أن يقول : عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا، وعلى تأويل الصوفية فمعنى الآية : وأذكر ربك إذا نسيت غيره وقل عسى أن يهدين ربي أي يوصلني لشيء وهو أقرب من هذا الذكر رشدا وهو ذات الله سبحانه الذي هو أقرب من حبل الوريد
وأخرجه النسائي في كتاب: المواقيت، باب: فيمن نسي صلاة ٦٠٨..
٢ سورة الأحزاب، الآية: ٤..
التفسير المظهري
المظهري