تمهيد :
كانت الآيات السابقة جوابا للكافرين، الذين طلبوا أن يكون لهم مجلسا خاصا بهم ؛ حتى لا يختلطوا مع فقراء المسلمين، وهذا المثل ضربه الله لرجلين أحدهما : كافر غني، والثاني : مؤمن فقير.
وقد اغتر الغنى بماله، وأنكر قيام الساعة، وظن أن بستانه لن يهلك أبدا، وذكره المؤمن بالله وباليوم الآخر، وخوفه عاقبة الغرور فلم يتعظ ؛ ثم كانت العاقبة هلاك بستان الغني، وندمه.
وفي النهاية بيان : قدرة الله وعظمته ؛ فهو يرفض ويخفض ويغني ويفقر، ثم بيان : أن الدنيا متغيرة وفانية، والآخرة خير وأبقى. وكل هذه دروس تفيد أغنياء قريش ؛ إذا أنصتوا لها بقلوبهم وأفئدتهم.
المفردات :
قائمة : كائنة وحاصلة ومتحققة.
منقلبا : مرجعا وعاقبة.
التفسير :
٣٦- وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا .
ثم ازداد غرورا وكفرا ؛ فأنكر القيامة والبعث ؛ من شدة حبه لدنيا والمال والجنان والمتع العاجلة ؛ فقال : ما أظن القيامة كائنة وحاصلة، فليس هناك بعث ولا حشر ولا جزاء، وبدل أن يشكر ربه ويحمده، ويؤدي حق الله في ماله، كفر بالله وبالقيامة والبعث والجزاء، ثم قال :
ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا .
أي : ولئن كان هناك بعث على سبيل الفرض والاحتمال ؛ فسوف يكون نصيبي في الآخرة أفضل وأحسن منقلبا أي : مرجعا ومآلا ؛ لأنني في الدنيا أحسن وأغنى وأكرم ؛ فكما أعطاني ربي ذلك في الدنيا فسوف يعطيني مثله في الآخرة ؛ لكرامتي عليه. ونحو الآية قوله تعالى حكاية عن الكافر : ولئن رُّجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى... ( فصلت : ٥٠ ).
وهكذا نجد أن هذا الكافر لحقه الخسار من تفكيره الخطإ، حيث ظن أن جنته لن تفنى، وظن أن القيامة لن تقوم، وظن أن الآخرة تقاس على الدنيا، فمن كان غنيا في الدنيا، كان ممتازا في الآخرة.
وهنا يرشده أخوه، إلى القيم الحقيقية في الدنيا والآخرة، ويبين له : أن الله هو صاحب الفضل، والنعمة والمنة، وأن واجبنا أن نعترف لله بالخلق والإيجاد من العدم، والتفضل بالنعم.
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة