ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞ

وإزالة لكل لبس فيما يخص موقف الإسلام من الاستمتاع بالطيبات، وتناول ما هو مشروع من الملذات، عقب كتاب الله على هذا المثل مباشرة، فقال تعالى : المال والبنون زينة الحياة الدنيا، والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا على غرار قوله تعالى في سورة آل عمران : زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث، ذلك متاع الحياة الدنيا، والله عنده حسن المئاب |الآية : ١٤|. وبذلك أكد الإسلام قيمة المال والولد بالنسبة لحياة الأفراد، وما ينال حياتهم من كمال بوجودهما، ومن نقص بفقدهما، منبها في نفس الوقت إلى أن اهتمام الأفراد يجب أن يتجه إلى الجانب الأنفع والأدوم والأبقى من الاثنين، كإيقاف الصدقة الجارية التي لا ينقطع نفعها بعد الموت، وكتربية الولد الصالح الذي يواصل سيرة والده الصالحة، فيجلب له الدعاء والثناء، بحيث لا يقتصر من آتاه الله المال والولد على الانتفاع بهما انتفاعا أنانيا وشخصيا محدودا، خاليا من نفع الغير، ناسيا حقوق الله وحقوق الخلق، وقد قال عليه السلام :( نعم المال الصالح للرجل الصالح ). فالمذموم إذن ليس هو كسب المال ولا إنجاب الولد، وإنما هو تسخيرهما لما ليس فيه رضا الله، ولما لا منفعة فيه لعيال الله، قال القرطبي في تفسيره : " وإنما كان المال والبنون زينة الحياة الدنيا، لأن في المال جمالا ونفعا، وفي البنين قوة ودفعا، فصارا زينة الحياة الدنيا ".
أما الباقيات الصالحات فمن جملة ما روى في تفسيرهما قول ابن عباس رضي الله عنه : " أنها كل عمل صالح من قول أو فعل يبقى للآخرة "، وإلى مثل هذا القول ذهب عبد الرحمان بن زيد بن أسلم إذ قال : " هي الأعمال الصالحة كلها "، واختاره ابن جرير الطبري، وقال القرطبي : " إنه هو الصحيح إن شاء الله، لأن كل ما بقي ثوابه جاز أن يقال له هذا ". وهكذا تندرج في " الباقيات الصالحات " وتكون جزءا منها نفس الصلوات الخمس، والأذكار المأثور فضلها، وهي " سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم " مما خرجه مالك في الموطأ والنسائي والترمذي وابن ماجة في السنن، ويشهد لتفسير( الباقيات الصالحات ) بالمعنى العام الذي أوردناه قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث، ولد صالح يدعو له، أو علم ينتفع به، أو صدقة جارية )، فهذه الأمور الثلاثة كلها بمقتضى الحديث الشريف " صالحات باقيات " لأنها أعمال خير تبقى ثمرتها للإنسان، ولا تنقطع بالموت، ويصدق عليها أنها خير ثوابا وخير أملا ، وقد أعاد كتاب الله الحديث عن الباقيات الصالحات في سورة مريم، فقال تعالى : والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخيرا مردا |الآية : ٧٦|.
وكما أنهى كتاب الله الربع الماضي بوصف الجزاء الذي يلقاه الكافرون في جهنم إذ قال : إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها وختمه بقوله بئس الشراب، وساءت مرتفقا خصص بداية هذا الربع لوصف الجزاء الذي يلقاه المؤمنون في الجنة، فقال : إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا ، وختم وصف جزائهم بقوله : نعم الثواب، وحسنت مرتفقا .

التيسير في أحاديث التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

المكي الناصري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير