قوله : فانطلقا حتى إِذَا رَكِبَا فِي السفينة خَرَقَهَا الآية.
اعلم أنَّ موسى - عليه السلام - وذلك العالم، لمَّا تشارطا على الشرط المذكور، سار فانتهيا إلى موضع، احتاجا فيه إلى ركوب السَّفينة، فوجدا سفينة، فكلموهم أن يحملوهم، فعرفوا الخضر، [ فحملوهم ]١ من غير نول، فلما لجُّوا البحر، أقدم ذلك العالم على خرق السَّفينة.
قال ابن الخطيب٢ : لعلَّه أقدم على إخراق مكانٍ في السفينة ؛ لتصير السفينة بذلك السبب معيبة ظاهرة العيب، فلا يتسارع به إلى أهلها الغرق فعند ذلك قال له موسى : أخَرقْتهَا لتُغْرِقَ أهْلهَا [ لمَّا رأى موسى - عليه السلام - ذلك الأمر المنكر بحسبِ الظَّاهر نسيَ الشرط المتقدم ؛ فلهذا قال ما قال ]٣.
وفي اللام وجهان :
أحدهما : هي لام العلة.
والثاني : هي لام الصَّيرورة، وقرأ الأخوان٤ :" ليَغرَقَ " بفتح الياء من تحت، وسكون الغين، وفتح الراء، " أهْلُهَا " بالرفع فاعلاً، والباقون بضمِّ التاء من فوق، وكسر الراء، أي : لتغرق أنت أهلها، بالنصب مفعولاً به، والحسن وأبو رجاء كذلك، إلا أنَّهما شدَّدا الراء.
والسَّفينة معروفة، وتجمع على سفنٍ وسفائن، نحو : صحيفة وصحف وصحائف، وتحذف منها التاء مراداً بها الجمع، فتكون اسم جنسٍ ؛ نحو : ثمر [ وقمح ]٥، إلا أنه هذا في المصنوع قليلٌ جدًّا، نحو : جَرَّة وجر، وعمامة وعمام، قال الشاعر :[ الوافر ]
| مَتَى تَأتيهِ تَأتِي لُجَّ بَحْرٍ | تَقاذفُ في غَوارِبهِ السَّفِينُ٦ |
قوله :" إمْراً " أي شيئاً عظيماً، يقال : أمِرَ الأمْرُ، أي : عظم وتفاقم، قال :[ الرجز ]
دَاهِيَةً دَهْيَاءَ إدًّا إمْرا٧ *** والإمرُ في كلام العرب : الدَّاهيةُ، وأصله كل شيءٍ شديدٌ كثيرٌ، يقال : أمر القوم : إذا كثروا، واشتدَّ أمرهم.
ومعنى الآية : لقد جئت شيئاً منكراً.
وقال القتيبيُّ :" إمْراً " أي عظيماً عجيباً منكراً.
روي أنَّ الخضر، لمَّا [ خرق ]٨ السَّفينة لم يدخلها الماءِ٩.
وروي أن موسى لمَّا رأى ذلكَ أخذ ثوبه، وحشا به الخرق١٠
٢ ينظر: الفخر الرازي ٢١/١٣١..
٣ سقط من أ..
٤ ينظر: السبعة ٣٩٥، والتيسير ١٤٤، والحجة ٤٢٣، والإتحاف ٢/٢٢١، والحجة للقراء السبعة ٥/١٥٨، وإعراب القراءات ١/٤٠٣، ٤٠٤، والنشر ٣١٣، والشواذ ٨١، والقرطبي ١١/١٥، والبحر ٦/١٤١..
٥ في أ: وبلح..
٦ ينظر البيت في البحر ٦/١٣٤، الدر المصون ٤/٤٧٣..
٧ ينظر البيت في الطبري ١٥/١٦٩، والصحاح (أمر)، واللسان (أمر)، والتاج (أمر)، والقرطبي ١١/١٩.
.
٨ في أ: دخل..
٩ ينظر: معالم التنزيل ٣/١٧٤..
١٠ ينظر: المصدر السابق..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود