ولأن يحيى جاء إلى الدنيا حال كبر وضعف والديه، وهو كطفل يحتاج من يشمله بالعطف والحنان، ويعوضه حنان الوالدين، ويحتاج إلى من يعلمه ويربيه ؛ لذلك تولى الحق سبحانه وتعالى هذه المهمة، فهو سبحانه خالقه ومسميه ومتوليه فوهبه حنانا منه سبحانه :
( من لدنا.. " ١٣ " مريم ) من عندنا ؛ لأن طاقة الحنان عند الوالدين قد نضبت. وقوله :
وزكاة.. " ١٣ " ( سورة مريم )أي طهارة من الذنوب وصفاء نفس وبركة، وهذه كلها نتيجة التربية الإلهية بمنهج الله الذي يرسم له حركته في الحياة : أفعل كذا ولا تفعل كذا.
وكان تقيا " ١٣ " ( سورة مريم )أي : استجاب لهذا الحنان. وأثمرت فيه هذه التربية فكان تقيا، أي : منفذا لأوامر الله مجتنبا لنواهيه، وبذلك وقى نفسه من صفات الجلال من الله تعالى. وقلنا : إن التقوى أن تجعل بينك وبين ما تتقيه مانعا يحميك ويبعدك عن إيذائه، فتقول : اتق الله واتق النار، كيف ذلك ونحن نريد أن نصل إلى معيته سبحانه ؟.
نقول : اتق الله أي : اجعل بينك وبين صفات جلاله وجبروته وقاية تحميك من جبروته وجباريته وقهره، فلست مطيقا لأدنى شئ من العذاب، والنار من جنود الله ومظهر من مظاهر قهره، فاتقاء النار جزء من اتقاء الله، والوقاية التي تحميك من صفات الجبروت والجلال هي الطاعة بامتثال الأوامر والنواهي.
تفسير الشعراوي
الشعراوي