وقال مجاهد: (الحكم والفهم هو أنه أعطي فهما لكتاب الله حتى حصل له عظيم الفائدة) (١).
وقال معمر: (هو أن الصبيان قالوا له: اذهب بنا نلعب. فقال ما للعب خلقت) (٢).
وقال الحسن: (وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا: اللب) (٣). والحكم عند العرب: ما يمنع من الجهل والخطأ ويصرف عنهما (٤).
١٣ - قوله تعالى: وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا الحنان معناه في اللغة: العطف والرحمة. يقال: حنانك وحنانيك يذكره الرحمة والبر، ومنه قول الشاعر (٥):
حَنَانَيْكَ بَعضُ الشَّرِّ أَهْوَنُ مِنْ بَعْضِ
ويقال: حَنَّ عليه أي: عطف عليه، وحَنَّ إليه أي: نزع إليه (٦)، ونحو
(٢) "تفسير القرآن" للصنعاني ٢/ ٦، "جامع البيان" ١٦/ ٥٥، "النكت والعيون" ٣/ ٣٦٠، "المحرر الوجيز" ٩/ ٤٣٦.
(٣) "زاد المسير" ٥/ ٢١٣.
(٤) انظر: "تهذيب اللغة" (حكم) ١/ ٨٨٥، "مقاييس اللغة" (حكم) ٢/ ٩١، "الصحاح" (حكم) ٥/ ١٩٠١، "لسان العرب" (حكم) ٢/ ٩٥١.
(٥) هذا عجز بيت لطرفة بن العبد، وصدره:
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا
انظر: "ديوانه" ٦٦، "مجاز القرآن" لأبي عبيدة ٢/ ٢، "الكتاب" لسيبويه ١/ ٣٤٨، "همع الهوامع" ١/ ١٩٠، "الدر المصون" ٧/ ٥٧٥، "لسان العرب" (حنن) ٢/ ١٠٣٠، "جمهرة أشعار العرب" ٣/ ٤٤٩.
(٦) انظر: "تهذيب اللغة" (حن) ١/ ٩٤٥، "القاموس المحيط" (الحنين) ١١٨٨، "الصحاح" (حنن) ٥/ ٢١٠٤.
هذا قال المفسرون في معنى الحَنَان، قال ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة: وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا يقول: (رحمة من عندنا) (١). وهو قول عكرمة، وقتادة، والربيع (٢).
وقوله تعالى: وَزَكَاةً قال ابن عباس: (يعني بالزكاة طاعة الله والإخلاص) (٣).
وقال قتادة: (هي العمل الصالح) (٤). وهو قول الضحاك وابن جريج (٥). ومعنى الآية: وآتيناه رحمة من عندنا وتحننا على العباد ليدعوهم إلى طاعة ربهم وعملا صالحا في إخلاص، فعلى هذا الموصوف بالحنان والزكاة يحيى؛ لأن الله آتاه إياهما.
وقال ابن عباس في رواية عكرمة: (لا أدري ما الحنان؟ غير أني أظنه يعطف الله على عبده) (٦). ونحو هذا قال مجاهد في تفسير: وَحَنَانًا (تعطفا من ربه على يحيى) (٧).
(٢) "جامع البيان" ١٦/ ٥٥، "تفسير القرآن" للصنعاني ٢/ ٧، "النكت والعيون" ٣/ ٣٦٠، "تفسير القرآن العظيم" ٣/ ١٢٦.
(٣) "معالم التزيل" ٥/ ٢٢٢، "زاد المسير" ٥/ ٢١٤.
(٤) "جامع البيان" ١٦/ ٥٧، "معالم التزيل" ٥/ ٢٢٢، "تفسير القرآن العظيم" ٣/ ١٢٦، "زاد المسير" ٥/ ٢١٤.
(٥) "جامع البيان" ١٦/ ٥٨، "النكت والعيون" ٣/ ٣٦٠، "معالم التزيل" ٥/ ٢٢٢.
(٦) "جامع البيان" ١٦/ ٥٦، "المحرر الوجيز" ٩/ ٤٣٧، "تفسير القرآن العظيم" ٣/ ١٢٦، "الدر المنثور" ٤/ ٤٧١.
(٧) "جامع البيان" ١٦/ ٥٦، "النكت والعيون" ٣/ ٣٦٠، "تفسير القرآن العظيم" ٣/ ١٢٦، "زاد المسير" ٥/ ٢١٤.
وقال أبو إسحاق في تفسير وَزَكَاةً: (الزكاة التطهير) (١). وعلى هذا معني الآية: وآيتنا يحيى تعطفا منا عليه، وتطهيرا إياه من عندنا، والموصوف بالحنان والزكاة هو الله تعالى على هذا القول؛ لأنه ذو الرحمة على يحيى والمطهر له.
وقال قوم: الحنان والزكاة يعودان إلى زكريا، وهو قول الكلبي والفراء. قال الفراء: (وفعلنا ذلك رحمة لأبويك) (٢). وقال الكلبي في قوله: وَزَكَاةً (يعني: صدقه تصدق الله بها على أبويه) (٣). وعلى هذا القول يحتاج إلى إضمار كما ذكره الفراء ويكون التقدير: وفعلنا ذلك يعني هبة الولد واستجابة الدعاء حنانا من لدنا أي: رحمة منا على زكريا، وزكاة، وصدقة منا عليه (٤).
وقوله تعالى: وَكَانَ تَقِيًّا قال ابن عباس: (جعلته يتقيني ولا يعدل بي غيري) (٥).
قال المفسرون: (وكان من تقواه أنه لم يعمل خطيئة ولا هم بها) (٦). كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ما من الناس عبد إلا قد هم بخطيئه أو عملها غير
(٢) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ١٦٣.
(٣) "معالم التنزيل" ٥/ ٢٢٢.
(٤) قال الشنقيطي في "أضواء البيان" ٤/ ٢٢٩: والتحقيق فيه إن شاء الله هو أن المعنى: وأعطيناه زكاة أي: طهارة من الذنوب والمعاصي بتوفيقنا إياه للعمل بما يرضي الله تعالى. وانظر: "الجامع لأحكام القرآن" ١١/ ٨٨.
(٥) "زاد المسير" ٥/ ٢١٤.
(٦) "جامع البيان" ١٦/ ٥٨، "المحرر الوجيز" ٩/ ٤٣٨، "معالم التنزيل" ٥/ ٢٢٢، "الجامع لأحكام القرآن" ١١/ ٨٨.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي