ثم إنَّه تعالى لما أخبر نبيَّه بأنه لا يُهْلِكُ أحداً قبل استيفاء أجله أمره بالصبر فقال :
فاصبر على مَا يَقُولُونَ أي من تكذيبهم النبوة، وقيل : تركهم القبول(١).
قال الكلبي ومقاتل : هذه الآية منسوخة بآية القتال(٢). ثم قال : وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ أي : صَلِّ بأمر ربك. وقيل : صَلِّ لله بالحمْدِ له، والثناء عليه، ونظيره قوله تعالى : واستعينوا بالصبر والصلاة (٣).
قوله : بِحَمْدِ رَبِّك حال أي : وأنتَ حامدٌ لربِّك على أنه وفقك للتسبيح وأعانك عليه(٤). واختلفوا(٥) في التسبيح(٦) على قوليْن، فالأكثرون(٧) على أن المراد منه الصلاة وهؤلاء اختلفوا على ثلاثة أوجه :
الأول : أنَّ(٨) المراد الصلوات الخمس، قال ابن عباس : دخلت الصلوات الخمس فيه، ف قَبْلَ طُلُوعِ الشمس هو الفجر(٩)، وقيل ؛ " غروبها " الظهر والعصر، لأنهما جميعاً قبل الغروب وَمِنْ آنَآءِ(١٠) الليل فَسَبِّحْ يعني(١١) المغرب والعتمة، ويكون قوله : وَأطْرَافَ النَّهَار كالتوكيد للصَّلاة بين الوقتين في طرفي النهار، وهما صلاة الفجر وصلاة المغرب، كما اختصت الوسطى بالتوكيد.
الثاني : أنَّ(١٢) المرادَ الصلوات الخمس والنوافل، لأن الزمان إما أن يكون قبل طلوع الشمس أو قبل غروبها، فالليل والنهار داخليْن في هاتيْن العبادتين وأوقات الصلاة الواجبة دخلت فيها، ففي قوله : وَمِنْ آنَآءِ الليل فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النهار للنوافل.
الثالث : أن المراد أربع صلوات، فقوله : قَبْلَ طُلُوعِ الشمس للفجر " وَقَبْلَ غُرُوبِهَا " للعصر، وَمِنْ آنَآءِ الليل المغرب والعتمة، بقي الظهر خارجاً.
وعلى هذا التأويل يمكن أن يستدل(١٣) بهذه الآية على أن المراد بالصَّلاة الوُسْطى صلاة الظهر، لأن قوله : حَافِظُواْ عَلَى الصلوات (١٤) المراد به هذه الأربع، ثم أفرد الوسطى بالذكر، والتأسيس أوْلَى من التأكيد، والأول أولى(١٥). هذا إذا(١٦) حَمَلْنَا التسبيح على الصلاة.
وقال أبو مسلم : لا يبعد حمله على التنزيه والإجلال، والمعنى اشتغل بتنزيه الله تعالى في هذه الأوقات. فإن قيل(١٧) : النهار له طرفان، فكيف قال :" وَأَطْرَافَ النهار " ؟ بل الأولى أن يقول(١٨) كما قال : وَأَقِمِ الصلاة طَرَفَيِ النهار (١٩).
فالجواب : من الناس من قال أقل الجمع اثنان فسقط السؤال ومنهم من قال : إنما جمع لأنه يكرر في كل نهار ويعود(٢٠). وقوله : مِنْ آنَآءِ(٢١) الليل متعلق ب " سَبِّحْ " الثانية. قوله :" وَأَطْرَافَ " العامة على نصبه، وفيه وجهان :
أحدهما(٢٢) : أنه عطف على محل وَمِنْ آنَاء الليل .
والثاني : انه عطف على " قَبْل " (٢٣).
وقرأ السحن وعيسى بن عمر " وأطرافِ " بالجر عطفاً على " آناءِ اللَّيل " (٢٤) وقوله هنا " أطْرَافَ " وفي هود " طَرَفَيْ النَّهَارِ " (٢٥)، فقيل(٢٦) : هو من وضع الجمع(٢٧) موضع التثنية كقوله :
ظَهْرَاهُمَا مِثْلُ ظُهُورِ التُّرْسَيْن(٢٨) ***. . .
وقيل : هو على حقيقته، والمراد بالأطراف الساعات(٢٩).
قوله :" تَرْضَى " قرأ الكسائي(٣٠) وأبو بكر عن عاصم " تُرْضَى " مبنيًّا للمفعول(٣١).
والباقون مبنيًّا للفاعل(٣٢)، وعليه وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فترضى (٣٣) والمعنى : ترضى ما تنال من الشفاعة، أو ترضى بما تنال من الثواب على ضم التاء كقوله : وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً (٣٤).
٢ المرجع السابق..
٣ [البقرة: ٤٥]. وانظر المرجع السابق..
٤ انظر المرجع السابق والبحر المحيط ٦/٢٩٠..
٥ في ب: فصب اختلفوا..
٦ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/١٣٣..
٧ في ب: والأكثرون..
٨ أنّ: سقط من ب..
٩ في ب: فقيل طلوع وهي الفجر. وهو تحريف..
١٠ آناء: سقط من ب..
١١ يعني: سقط من ب..
١٢ أن: سقط من ب..
١٣ في ب: يستدلوا..
١٤ من قوله تعالى: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين [البقرة: ٢٣٨]..
١٥ في ب: أقوى..
١٦ في ب: إن..
١٧ في ب: فإن قلت..
١٨ في ب: يقال..
١٩ من قوله تعالى: وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إنّ الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين [هود: ١١٤]..
٢٠ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢/١٣٣- ١٣٤..
٢١ في ب: ومن..
٢٢ في ب: الأول..
٢٣ انظر البحر المحيط ٦/٢٩٠..
٢٤ المختصر: (٩٠)، البحر المحيط ٦/٢٩٠، الإتحاف: ٣٨٠..
٢٥ [هود: ١١٤]..
٢٦ في ب: وقيل..
٢٧ في النسختين: الجمل. والصواب ما أثبته..
٢٨ من السريع، قاله خطام المجاشعي أو هميان بن قحافة، وهو في الكتاب ٢/٨٤، ٣/٦٢٢، إعراب القرآن المنسوب للزجاج ٣/٧٨٧ المخصص ٩/٧، ابن يعيش ٤/١٥٥، ١٥٦، المقاصد النحوية ٤/٧٩ الأشموني ٣/٧٤، حاشية يس ٢/١٢٢، الخزانة ٧/٥٤٤ شواهد الشافية ٤/٩٤. الترس: بالضم ما يتقى به الضرب من السلاح. وصف فلاتين لا نبت فيهما. والشاهد فيه جواز إطلاق لفظ الجمع على المثنى، قال سيبويه (وسألت الخليل – رحمة الله – عن ما أحسن وجوهما؟ فقال: لأن الاثنين جميع، وهذا بمنزلة قول الاثنين: نحن فعلنا ذاك) الكتاب ٢/٤٨..
٢٩ انظر التبيان ٢/٩٠٨..
٣٠ في ب: قرأ الكسائي وأبو عمرو. وهو تحريف..
٣١ والذي قام مقام الفاعل هو النبي – صلى الله عليه وسلم – والفاعل هو الله جل ذكره تقديره: لعل الله يرضيك بما يعطيك يوم القيامة، ولعل من الله واجبة. انظر الكشف ٢/١٠٧..
٣٢ السبعة (٤٢٥)، الحجة لابن خالويه (٢٤٨)، الكشف ٢/١٠٧، النشر ٢/٢٢ الإتحاف (٣٠٨). جعلوا الفعل للنبي صلى الله عليه وسلم، أي: لعلك ترضى بما يعطيك..
٣٣ الآية (٥) من سورة الضحى..
٣٤ من قوله تعالى: وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيا [مريم: ٥٥]..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود