ثم إنه تعالى لما أخبر نبيه صلى الله عليه وسلم بأنه لا يهلك أحداً قبل استيفاء أجله أمره بالصبر، فقال : فاصبر على ما يقولون لك من الاستهزاء وغيره، وهذا كان أول الأمر، ثم نسخ بآية القتال وسبح أي : صل، وقوله تعالى : بحمد ربك حال أي : وأنت حامد لربك على أنه وفقك لذلك، وأعانك عليه قبل طلوع الشمس صلاة الصبح وقبل غروبها صلاة العصر ومن أناء الليل أي : ساعاته فسبح أي : صل المغرب والعشاء، وقوله تعالى : وأطراف النهار معطوف على محل من آناء المنصوب أي : صل الظهر ؛ لأن وقتها يدخل بزوال الشمس، فهو طرف النصف الأول، وطرف النصف الثاني قال ابن عباس : دخلت الصلوات الخمس في ذلك، وقيل : المراد الصلوات الخمس والنوافل ؛ لأن الزمان إما أن يكون قبل طلوع الشمس أو قبل غروبها، فالليل والنهار داخلان في هاتين العبارتين.
وأوقات الصلوات الواجبة دخلت فيهما، فبقي قوله : ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار للنوافل، وقال أبو مسلم : لا يبعد حمل التسبيح على التنزيه والإجلال، والمعنى اشتغل بتنزيه الله تعالى في هذه الأوقات.
فإن قيل : النهار له طرفان، فكيف قال : وأطراف النهار ولم يقل : طرفي النهار أجيب بوجهين أظهرهما : أنه إنما جمع لأنه يلزم في كل نهار ويعود، والثاني : أن أقل الجمع اثنان، وقرأ قوله تعالى لعلك ترضى أبو بكر والكسائي بضم التاء أي : ترضى بما تنال من الثواب كقوله تعالى : وكان عند ربه مرضياً [ مريم، ٥٥ ]، وقرأ الباقون بفتحها أي : ترضى بما تنال من الشفاعة قال تعالى : ولسوف يعطيك ربك فترضى [ الضحى، ٥ ]، وقال تعالى : عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً [ الإسراء، س٧٩ ]، والمعنى : على القراءتين لا يختلف ؛ لأن الله تعالى إذا أرضاه، فقد رضيه، وإذا رضيه، فقد أرضاه.
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني